البحث المتقدم

البحث المتقدم

خصوصية الحروف المقطّعة بين الاستقلال كآية والاتصال السياقي؛ قراءة تفسيرية مقارنة

0 تقييم المقال

 

تحتلّ الحروف المقطّعة الواردة في مطالع عدد من سور القرآن الكريم موقعًا فريدًا في بنية النص القرآني، وقد انعكس هذا التفرد في كثرة ما كُتب حولها من أقوال تفسيرية وبلاغية. غير أن من القضايا الدقيقة المرتبطة بها مسألةُ عدِّ بعض هذه الحروف آيةً مستقلة في بعض السور، وعدم عدِّها كذلك في سور أخرى، وهو ما يفتح أفقًا مهمًا لدراسة خصوصية المفردة القرآنية من حيث موقعها ووظيفتها السياقية.

 

أولًا: الحروف المقطّعة ووظيفتها الافتتاحية

  يرى العلّامة الطباطبائي أن الحروف المقطّعة تمثّل عنصر تنبيه وإيقاظ ذهني في مطالع السور، وتؤدي دورًا في الإشارة إلى إعجاز القرآن من حيث تأليفه من الحروف نفسها التي يتخاطب بها العرب، ومع ذلك يعجزون عن الإتيان بمثله¹. وهذا الدور الافتتاحي قد يبلغ حدّ الاكتمال الدلالي والبلاغي، فيُنظر إلى الحرف أو الحروف على أنها وحدة مستقلة من الخطاب.

 

ويؤكد الطبرسي أن الوقف على الحروف المقطّعة في أوائل السور وقفٌ تامّ في بعض المواضع، لما لها من أثر بلاغي مستقل، وهو ما يبرر عدّها آية قائمة بذاتها في نظم السورة².

 

ويذهب الشيخ جوادي آملي إلى أن هذه الحروف تمثل ما يمكن تسميته بـ المفتاح البنيوي للنص، إذ تهيّئ المتلقي نفسيًا وذهنيًا للدخول في أفق السورة، وقد تكون هذه التهيئة مقصودة لذاتها، لا بوصفها جزءًا من الجملة اللاحقة³.

 

أما مكارم شيرازي، فيربط استقلال بعض الحروف المقطّعة آيةً بالأثر الإيقاعي والنفسي الذي تحدثه، معتبرًا أن بعض هذه الحروف تمثّل افتتاحًا قويًا مستقلًا يستحق الوقوف، بخلاف مواضع أخرى يكون فيها الاتصال السياقي أولى⁴.

 

ثانيًا: رؤية مفسري أهل السنة

 

يؤكد الزمخشري أن الحروف المقطّعة جزء من النظام البلاغي للسورة، وأن استقلالها أو اتصالها بما بعدها تابع لمقتضيات النظم، لا لمجرد الشكل أو العدد. فحيث يؤدي الحرف وظيفة بلاغية مكتملة في ذاته، صحّ عدّه آية مستقلة⁵.

 

أما الفخر الرازي، فيرى أن الخلاف في عدّ الحروف المقطّعة آيةً أو جزءًا من آية يرجع إلى اختلاف العلماء في اكتمال المعنى:

فإن كان المقصود حاصلًا بمجرد ذكر الحروف، كانت آية تامة، وإن تعلّق المعنى بما بعدها، صارت جزءًا من الآية التالية⁶.

 

ثالثًا: معيار الاستقلال بين التوقيف والاجتهاد

 

من خلال استقراء أقوال المفسرين من الفريقين، يتضح أن استقلال الحروف المقطّعة آيةً ليس مبنيًا على معيار تعبدي واحد، بل هو ثمرة اجتهاد علمي في إطار علم عدّ الآي، تأثر بعوامل متعددة، منها:

- الوقف والابتداء.

- اكتمال الأثر البلاغي.

- درجة الالتحام السياقي.

- اختلاف مدارس العدّ (كالكوفي والمدني).

 

وهذا الاختلاف اختلاف تنوّع لا تضاد، ولا يمسّ نصّ القرآن ولا إعجازه، بل يكشف عن دقّة بنائه وثراء تلقيه العلمي.

 

الخاتمة

إنّ اختلاف العلماء في عدّ الحروف المقطّعة آيةً مستقلة أو غير مستقلة، لا يُعدّ اختلافًا في القرآن، بل شاهدًا على خصوصية المفردة القرآنية في موقعها ووظيفتها. فالحرف في القرآن ليس مجرد وحدة صوتية، بل عنصر بنيوي فاعل، تتحدد قيمته من خلال موضعه، واستقلاله، واتصاله بالسياق العام للسورة، وهو ما يجعل الحروف المقطّعة مثالًا بليغًا على الإعجاز البنيوي للنص القرآني.

 

نعم
هل اعجبك المقال