بين التقدم الميداني وكلفة التضحيات.. التنسيق العسكري أولوية لحسم معارك المدن
تولى المرجعية الدينية العليا بعد وفاة السيد الحكيم مباشرة، شيخ الفقهاء والمحققين، وإمام الأصوليين والمجتهدين السيد أبو القاسم الخوئي، في وقت اشتداد القمعية على الشعب العراقي وتصاعد الانتهاكات بحق الحركة الإسلامية.
ومن الجدير بالذكر أنه بعد وفاة الحكيم، تقاسم المرجعية بعده أكثر من فقيه، لكن الإمام أبا القاسم الخوئي تفوق عليهم جميعاً بفضل أعلميته وامتداد زعامته إلى العرب وغير العرب، وتميزه عنهم أنه صاحب مدرسة عقلية، خرجت مجموعة كبيرة من المجتهدين، ربما لم يجتمع ذلك لفقيه إمامي قبله في تاريخ المرجعية الشيعية. ويعود ذلك أن السيد الخوئي سعى إلى تخريج (نخبة) عالية من الطلاب خلال أكثر من نصف قرن، تأثروا بمدرسته الفكرية، وكتبوا تقارير بحوثه في علمي الفقه والأصول، وأدت مجموعة من تلامذته أدواراً سياسية متميزة، كالسيد محمد باقر الصدر في العراق. ويُعيد عصر السيد الخوئي عصور الازدهار العقلي لمدرسة الاجتهاد أيام المحقق الحلي في القرن الثالث عشر الميلادي، والشيخ الأنصاري أواخر القرن التاسع عشر الميلادي. ثم إنه عاصر مرحلة حرجة من تاريخ العراق المعاصر، وتبدلات حادة عصفت بتاريخ هذا البلد، استلزمت منه عدم الخوض أو التصدي بشكل مباشر للمشهد السياسي إلا بقدر محدود.
وكان التسفير أشد ممارسات القمع السلطوي آنذاك في عهد مرجعيته رحمه الله، وهو عبارة عن عملية تدميرية منظمة للمجمع العراقي وسياسة عنصرية بحتة، بدأت منذ أواخر مرجعية الحكيم في بغداد والكاظمية والنجف الاشرف وكربلاء وسامراء، ثم تصاعدت مع مطلع عقد السبعينات، فقد تم إلقاء القبض على عدد كبير من الفضلاء وطلبة الحوزة العلمية وعدد يصعب إحصاؤه من التجار والكسبة العراقيين بحجة أصولهم الإيرانية، على الرغم من أن بعضهم عربٌ خُلص، علماً أن بعضهم ادعوا التبعية الأجنبية منذ زمن بعيد للتخلص من الخدمة العسكرية، وكان لدى عدد منهم ولادة مضاعفة في العراق، ويحمل الجنسية ويُسفرون مع عوائلهم إلى حدود إيران في أسوأ الظروف، ليعيشوا فيها لاجئين أو يختار بعضهم الهجرة إلى البلاد الأوربية والأمريكية بعيداً عن وطنهم. وكان يجري القبض على طلبة الحوزة العرب كاللبنانيين والخليجيين أيضاً بحجج واهية.
وتزامناً مع توتر العلاقات العراقية – الإيرانية مع مطلع عقد السبعينات أصدرت حكومة العراق أمراً إلى سلطاتها بالقيام بحملات تسفير جديدة للعراقيين من أصول إيرانية مع مجموعة كبيرة من الباكستانيين والهنود والأفغان والإيرانيين المقيمين بدعاوى خاوية، وكانت العمليات أكثر قسوة هذه المرة، إذ لم يتم السماح للمسفرين أحياناً ببيع ممتلكاتهم وتصفيتها، واستمر إخراجهم مع عائلاتهم بطريقة لا إنسانية على وجبات في الأعوام 1972 و1974 وتصاعد حتى وصل ذروته في عامي 1980 – 1982
وعلى الرغم من أن حملات التسفير الفاشية طالت أناساً آخرين من خارج الوسط الحوزي ... يتبع
المصدر موسوعة فتوى الدفاع الكفائي الجزء 3 ص 245






