مقدمة
تُمثل سيرة الأئمة الأطهار من أهل البيت (عليهم السلام) وتراثهم الحديثي كنزًا معرفيًا لا يُقدر بثمن، يضيء دروب السالكين ويُرسي قواعد الفضيلة والكمال البشري. وفي خضم هذا التراث الزاخر، تبرز الأحاديث المروية عن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)؛ الإمام الحادي عشر من أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، والتي تُعدّ بحقّ مناراتٍ هاديةً للنهج القويم في بناء الذات وتزكية النفس وإقامة العلاقات السليمة مع الخالق والخلق. إن هذه الأحاديث، وإن جاءت في فترة حرجة سبقت الغيبة الكبرى، إلا أنها تحمل في طياتها أسسًا تربويةً وأخلاقيةً وروحانيةً تتجاوز الزمان والمكان، لتقدم إطارًا شاملًا للعيش الإيماني.
إشكالية البحث:
على الرغم من أهمية الأحاديث الشريفة للإمام الحسن العسكري (عليه السلام) في تشكيل الوعي الأخلاقي والروحي للمؤمن، إلا أن كثيرًا من هذه الأحاديث لم تُدرس دراسةً وافيةً تجمع بين الشمول والعمق، لا سيما في استنباط النهج التربوي المتكامل للإمام (عليه السلام) الذي يُمكن استخلاصه من مجموع أقواله. تكمن الإشكالية في كيفية استخراج هذا النهج التربوي المتكامل، وتصنيف أسسه الأخلاقية والروحية، وتبيان تطبيقاتها العملية في حياة المؤمن، وكيف يُمكن أن تُشكل هذه الأحاديث دليلًا عمليًا للارتقاء بالنفس في ظل التحديات المعاصرة، مع ربطها بالسياق المهدوي الذي كان الإمام يُمثّل آخر حلقاته قبل الغيبة.
فرضيات البحث
1- ما هي أبرز المحاور الأخلاقية التي تناولتها الأحاديث للإمام الحسن العسكري (عليه السلام)؟
2- كيف تُسهم هذه الأحاديث في بيان سبل الارتقاء الروحي للمؤمن؟
3- ما هي العلاقة بين تعاليم الإمام العسكري (عليه السلام) وبين تهيئة الأمة لعصر الغيبة الكبرى؟
4- كيف يُمكن لهذه الأحاديث أن تُشكل نموذجًا تربويًا مُتكاملًا يُجيب على تساؤلات العصر الحديث في بناء الشخصية الإيمانية؟
5- ما هي أبرز الدلالات والمعاني المستنبطة من كل حديث على حدة، وكيف تتكامل هذه الدلالات لتُشكل نهجًا تربويًا؟
أهمية البحث وثمرته:
تنبع أهمية هذا البحث من عدة جوانب:
1- أنه يُسهم في إثراء المكتبة الإسلامية بدراسة متخصصة لأحاديث إمامٍ عظيمٍ، تُسلط الضوء على منهجه التربوي.
2- يُقدم منهجًا عمليًا للمؤمنين في بناء شخصيتهم الأخلاقية والروحية، مستنبطًا من كلام المعصوم.
3- يُعزز الفهم العميق لمدرسة أهل البيت (عليهم السلام) في التربية والتزكية. أما ثمرته فتتمثل في تقديم رؤية واضحة للقيم الأخلاقية والروحية التي يجب أن يتحلى بها المؤمن، وتوضيح كيفية تطبيقها في الحياة اليومية، مما يُسهم في إصلاح الفرد والمجتمع.
أهدافه وحاجته في عصرنا الراهن:
يهدف البحث إلى:
1. تصنيف وتحليل ومضة من الأحاديث العسكرية للإمام الحسن العسكري (عليه السلام) ضمن محاور أخلاقية وروحية مُحددة.
2. استنباط أسس النهج التربوي للإمام (عليه السلام) من خلال هذه الأحاديث.
3. بيان كيفية الارتقاء الروحي والأخلاقي للمؤمن استنادًا إلى هذه التعاليم.
4. تسليط الضوء على الجوانب التطبيقية لهذه الأحاديث في الحياة المعاصرة.
وتتجلى حاجته في عصرنا الراهن، الذي يعاني من أزمات أخلاقية وروحية خانقة، وتحديات عصرية تُهدد بناء الأسرة والمجتمع. ففي ظل هذا التفكك القيمي، تُقدم هذه الأحاديث الشريفة، كنوزًا من الحكمة، خارطة طريق لإعادة بناء الإنسان الصالح والمجتمع الفاضل، وتُعزز الارتباط بالمنهج الإلهي الأصيل في زمن تتزايد فيه الحاجة إلى الهداية والمعيار الثابت.
المبحث الأول: الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) وسياق الأحاديث الشريفة
1- لمحة عن حياة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) ودوره القيادي.
الإمام الحسن بن علي العسكري عليه السلام هو الإمام الحادي عشر من أئمة الهدى، وُلد بالمدينة المنورة عام 232 هجرية، واشتهر بلقب "العسكري" نسبة لمكان إقامته في سُرّ من رأى (سامراء)، وعاصر ثلاثة من خلفاء بني العباس وهم المعتز والمهتدي والمعتمد، وعانى من السجون والآلام خلال فترة إمامته القصير، ودامت إمامته ست سنوات فقط، وتوفي بعمر 28 عامًا في ريعان الشباب، وأنجب الإمام ابنه الوحيد، محمد المهدي المنتظر لدولة العدل والحق، من زوجته التي ذُكر لها عدة أسماء منها السيدة نرجس أو سوسن، وتميز الإمام بعلمه الغزير، وإجادته التكلم بالعديد من اللغات واللهجات، وله تراث علمي وتفسيري، ونُسب إليه تفسير العسكري، واستقبل الإمام( عليه السلام) العديد من الأسئلة من تلامذته وأصحابه في مختلف العلوم، وأجاب عنها برسائل، واستشهد الإمام الحسن العسكري مسمومًا عام 260 هجرية، على يد الخليفة المعتمد بدس السم له. [1]
2- الظروف المحيطة بالإمام العسكري (عليه السلام) وأثرها على وصاياه (إعداد الأمة للغيبة).
لقد واجه الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) تحديًا وجوديًا تمثّل في تهيئة الأمة المؤمنة لاستقبال غيبة ابنه الإمام المهدي (عليه السلام)، وهي غيبة تُحدث انفصالًا ظاهرًا عن الإمام، وتُعرض الأتباع لصدمة نفسية وإيمانية وعقدية نتيجة اعتيادهم على الارتباط المباشر به. لمواجهة ذلك، اتبع الإمام (عليه السلام) إعدادًا مزدوجًا: فكريًا يُرسّخ الإيمان بالغيب وضرورة الغيبة وربطها بسُنن الأنبياء[2] (عليهم السلام) كما ورد في أحاديثه[3]، ونفسيًا وروحيًا يُعوّد الشيعة على الارتباط غير المباشر عبر الاحتجاب وتقليل التواصل. وقد عوّض الإمام هذا التقليل بإصدار التوقيعات المكتوبة[4]، وتفعيل نظام الوكلاء كحلقة وصل قوية ومؤسسة بديلة [5]هذه الإجراءات الصارمة والمُحكمة، في فترة حكم عباسي شديد الوطأة، كانت ضروريةً لحفظ الإمام ونقل الإمامة، وتذليل عقبات الغيبة، ليظل الإيمان بالقائم (عجل الله فرجه) حيًا وفاعلًا رغم الغياب الظاهري.[6]
3- منهج أهل البيت (عليهم السلام) في التربية الأخلاقية والروحية.
يُقدم منهج أهل البيت (عليهم السلام) النموذج الأكمل لتربية الفرد الإنساني، مستفيدين من أبعادهم الاجتماعية والحياتية في بيان المفاهيم الأخلاقية والتربوية لبناء الفرد والأسرة والمجتمع الصالح. يُركز هذا المنهج على غرس الصفات النبوية الشريفة كـالصدق، حفظ الأمانة، الإيثار، بر الوالدين، واحترام الجار، والابتعاد عن كبائر الذنوب، وصلة الرحم، وطلب العلم. كما يُشدد على معرفة الشريعة والأخذ بها لتقوية الجانب الروحي والنفسي، إلى جانب تقوية الجانب البدني. وتُعد الأسرة الحاضن الأول لبث أجواء الإيمان والعقيدة وتغذية الطفل بالأخلاق الفاضلة والآداب الاجتماعية. وتُمثل أدعية أهل البيت (عليهم السلام)، خاصة الصحيفة السجادية، مدرسة متكاملة تُجسد التوجه المعنوي لبناء التوازن الأخلاقي والروحي من خلال صفات كبسط العدل وكظم الغيظ وضم أهل الفرقة.
المبحث الثاني: أسس الأخلاق في أحاديث الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)
1- أخلاق الفرد (التواضع، الصدق، الأمانة، ترك الذنوب، ضبط الغضب).
قال الإمام الحسن العسكري ( عليه السلام): "لا تُمارِ فَيَذْهَبَ بَهاؤُكَ وَ لا تُمازِحْ فَيُجْتَرَأَ عَلَيْكَ". [7]
إنَّ هذا الحديث يُنبّه إلى دقة التوازن في العلاقات الاجتماعية، فالمراء (الجدال المذموم) يُفقد المرء هيبته ووقاره، وهو ما تُعاني منه الساحات العلمية والشعبية اليوم. أما المزاح فإنه وإن كان مباحًا بحدوده، إلا أن الإفراط فيه يُسقط الحواجز ويزيل الاحترام، مما يفتح الباب أمام الجرأة على الشخص. الإمام (عليه السلام) هنا يُرسي قاعدة ذهبية في حفظ كرامة الإنسان وتوازنه النفسي والاجتماعي، فالتوقير الذاتي يبدأ بضبط اللسان والابتعاد عن مواطن السقوط في نظر الآخرين، لاسيما وأن الإمام كان يُهيئ أتباعه لدور مرجعيته في غيبته.
وبعبارة أخرى أنَّ هذا الحديث -"لا تُمارِ فَيَذْهَبَ بَهاؤُكَ وَ لا تُمازِحْ فَيُجْتَرَأَ عَلَيْكَ" - الموجز الجامع من جوامع الكلم، يُشكل قاعدةً ذهبيةً في أدب الحوار والعلاقات الاجتماعية، ويُرسّخ دعائم الهيبة والوقار الشخصي للمؤمن. يُوصي الإمام (عليه السلام) هنا بمنع سلوكين، كلٌ منهما يُؤدي إلى نتيجة سلبية مُحددة:
النهي الأول: "لا تُمارِ فَيَذْهَبَ بَهاؤُكَ"
- "لا تُمارِ": المراء هو الجدال بالباطل، أو الجدال الذي يُقصد به إظهار الفضل، أو الذي يُجرّ إلى السفسطة والمغالبة، حتى وإن كان الحق مع المرء. إنه ليس طلبًا للحقيقة، بل استعراضًا للقدرات الكلامية أو محاولةً لإفحام الآخر وإظهار ضعفه. هذا النهي يختلف عن "الجدال بالتي هي أحسن" الذي يُباح شرعًا لبيان الحق، قال تعالى:" ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ".[8]
- "فَيَذْهَبَ بَهاؤُكَ": البهاء هو الحُسن والرونق والوقار والهيبة التي تُكسى للشخص من الداخل، والتي تنعكس على مظهره وسلوكه وتعامله. عندما يُكثر الإنسان من المراء والجدال العقيم، فإنه يُفقد هذا البهاء تدريجيًا. فكثرة الجدال تُضعف الحجة، وتُظهر العناد، وتُقلل من قيمة الكلام، وتُذهب ماء الوجه، وتُفقد الآخرين الثقة في حكمة المتكلم ورزانته، حتى وإن كان عالمًا أو صاحب فضل.
يُشير الإمام (عليه السلام) هنا إلى أن البهاء ليس مُجرد مظهر خارجي، بل هو نتاج للرزانة والحكمة في التعامل.
مثال ذلك: عالمٌ يملك علمًا غزيرًا، لكنه يُكثر الجدال في كل مجلس ويُصرّ على إفحام الآخرين حتى في المسائل الفرعية، قد يُفقد احترام تلاميذه أو أقرانه، ويُصبح كلامه لا يحمل ذات التأثير الذي كان له لو تحلّى بالسكينة وابتعد عن المراء. إنَّ الهيبة الحقيقية تكمن في قوة الحجة وسكينتها لا في صخب الجدال.
النهي الثاني: "وَلا تُمازِحْ فَيُجْتَرَأَ عَلَيْكَ"
- "وَلا تُمازِحْ": المزاح هو الدعابة والملاطفة، وهو مباح في أصله بل ومستحب إذا كان بالحق وبقدرٍ معتدل لا سيما مع الأسرة والأطفال، وإدخال السرور على قلوبهم بشكلٍ معتدل، لكن النهي هنا ينصرف إلى الإفراط فيه، والمزاح الخارج عن حدود الأدب، أو المزاح مع من لا يليق المزاح معه، أو تحويل الحياة كلها إلى مزحة.
- "فَيُجْتَرَأَ عَلَيْكَ": الاجتراء هو أن يتجرأ الناس عليك، وأن تُسقط هيبتك من قلوبهم، فلا يُبالون بكلامك، ولا يُراعون لك مكانة، وربما يُصبحون يتطاولون عليك بالقول والفعل، لأنك قد أزلت الحواجز المصطنعة بيدك. كثرة المزاح قد تجعل الناس يرونك شخصية خفيفة غير جادة، وغير أهلٍ للمسؤولية أو الاحترام العميق، حتى لو كنت تمتلك علمًا أو فضلًا.
إنَّ المزاح المفرط يُسقط الكلفة ويُذهب الهيبة. الإمام (عليه السلام) يُرشد إلى أن الوقار لا يعني العبوس والتشدد الدائم، بل يعني التوازن في السلوك.
مثال ذلك: أستاذ جامعي أو مدير مسؤول، إذا ما بالغ في المزاح مع طلابه أو موظفيه، قد يُفقد احترامهم ويزول حاجز الهيبة الذي هو ضروري للحفاظ على النظام والفاعلية، مما قد يُؤدي إلى تهاونهم في أداء واجباتهم أو في احترام سلطته. كذلك في العلاقات الأسرية، المزاح الدائم قد يُقلل من هيبة الوالد أو الوالدة في نظر الأبناء، فيتجرأون عليهم.
الخلاصة الكلية والربط بالمنهج التربوي للإمام الحسن العسكري(عليه السلام):
إن هذا الحديث الشريف من الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) يُبرز جانبًا مهمًا في نهجه التربوي لبناء شخصية المؤمن الواعي، الذي يجب أن يتحلى بالاتزان والرصانة. في فترة حساسة سبقت الغيبة الكبرى، كان الإمام (عليه السلام) يُعدّ شيعته ليس فقط فكريًا لتقبل الغيبة، بل سلوكيًا ونفسيًا ليكونوا أهلًا لحمل مسؤولية الدين في غياب الإمام. الحفاظ على "البهاء" وتجنب "الاجتراء" على النفس هو جزء أساسي من بناء الشخصية الموثوقة التي يُمكن أن تعتمد عليها الإمامة في المستقبل، والتي تُصبح "زينًا" لأهل البيت (عليهم السلام) لا "شينًا"، كما ورد في أحاديث أخرى للإمام نفسه. إنها دعوةٌ إلى الحكمة في الأقوال والأفعال، لتبقى الكلمة مُهابةً والذات مُصانة.
قال الإمام الحسن العسكري(عليه السلام):" مَنْ رَضِيَ بِدُونِ الشَّرَفِ مِنَ الْمجْلِسِ لَمْ يَزَلِ اللّهُ وَمَلائِكَتُهُ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ حَتّى يَقُومَ". [9]
هذا الحديث يُعلي من شأن التواضع العملي، لا التظاهر به. الرضا بأي مكان في المجلس، حتى لو كان دون المنزلة المعتادة أو المرغوبة، يُعدّ علامةً على كسر حاجز الأنا والكبرياء. "صلاة الله وملائكته" هنا تُشير إلى الثناء الإلهي والرضا الرباني، وما يتبعه من بركات ورفع درجات. هذا الدرس الأخلاقي يُمثّل أساسًا في بناء الشخصية المؤمنة التي تطلب الفضيلة لا الزعامة، والخشوع لا الظهور، وهو ما يُنمّي الروحانية ويُقلل من آفات النفس المطمئنة بالدنيا.
التطبيق العملي والتحليل:
يُشير الإمام (عليه السلام) في هذا الحديث الشريف إلى قيمةٍ أخلاقيةٍ وروحيةٍ عظيمةٍ هي التواضع ونبذ حب الظهور والترفع على الآخرين في المحافل والاجتماعات. "دون الشرف من المجلس" لا تعني بالضرورة أسوأ مكان، بل تعني الرضا بأي مكان ليس فيه دعوى للتميّز أو الصدارة، والتنازل عن طلب المكانة الأبرز التي قد يتنافس عليها الكثيرون. إنها دعوة للتواضع العملي الذي يظهر في السلوك، وليس مجرد ادعاء بالتواضع اللساني.
مثال عملي وتطبيقي في العصر الراهن:
لنتصور اجتماعًا مهمًا يُعقد في إحدى المؤسسات العلمية أو الاجتماعية، يضم شخصيات أكاديمية بارزة، وطلاب علم، وعاملين. عادةً ما تكون هناك أماكن مُخصصة أو مُتعارف عليها للمسؤولين أو الضيوف الكبار أو أصحاب المناصب.
في هذا الاجتماع، يحضر الدكتور أو الوجيه، وهو أستاذ جامعي مرموق ومحاضر معروف، وله مكانة علمية واجتماعية عالية. عند دخوله قاعة الاجتماع، يجد أن المقاعد الأمامية أو تلك التي تُعتبر "أماكن الشرف" في المجلس، قد شُغلت بالفعل، أو ربما كانت مخصصة لشخصيات أُخرى. بدلًا من أن يطلب الدكتور مقعدًا في الصف الأمامي أو يبحث عن مكانة تُناسب "شرفه" الظاهري، فإنه يختار بكل هدوء ورضا الجلوس في أحد المقاعد الخلفية أو الجانبية المتاحة، ويُفسح المجال للآخرين، بمن فيهم الشباب أو الأقل منه شهرة، لأخذ الأماكن الأمامية. إنه لا يُبدي أي تبرّم أو تذمر، ولا يُحاول لفت الانتباه إلى مكانته لكي يُقدم له مكان أفضل.
التحليل والتطبيق:
في هذا المثال، يُجسد معنى "من رضي بدون الشرف من المجلس". رضاه بهذا الموقف يُظهر عدة أبعاد تطبيقية لنهج الإمام (عليه السلام):
1. بدلًا من الترفع وإظهار الأحقية، يُقدم الدكتور أو الوجيه نموذجًا عمليًا للتواضع، مؤكدًا أن مكانة الإنسان الحقيقية ليست في موقعه المادي في المجلس، بل في خلقه وعلمه وتقواه.
2. باختياره مكانًا أقل بروزًا، فإنه يُؤثر الآخرين على نفسه، مما يُعزز من قيم التعاون والمودة بين أفراد المجتمع، ويُشعر الجميع بالتقدير والراحة.
3. يُعلمنا الإمام (عليه السلام) من خلال هذا الحديث أن السعي وراء الشرف الظاهري في المجالس قد يكون مدعاةً للكبر والتنافس المذموم. رضا الدكتور أو الوجيه بمكانه يُظهر تحرره من قيود الأنا وحب المظاهر.
4. هذا السلوك يُعيد توجيه الاهتمام من المظاهر الخارجية والمقاعد إلى جوهر الاجتماع وهدفه، وهو تبادل الأفكار والمعرفة، مما يُعزز من جدية الأهداف ونبل المقاصد.
5. الوعد الإلهي بأن الله وملائكته يُصلون على هذا العبد يُشير إلى البركة الإلهية والرضا النفسي الذي يناله المتواضع، وهو ما يُعادل أو يفوق أي شرف دنيوي زائل.
بهذا المثال، نرى كيف أن تعاليم أهل البيت (عليهم السلام) تُقدم نماذج سلوكية قابلة للتطبيق في حياتنا اليومية، وتُسهم في بناء مجتمعات أكثر تواضعًا وتراحمًا، بعيدًا عن صراع المراتب والمظاهر.
قال الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) :"مِنَ التَّواضُعِ أَلسَّلامُ عَلى كُلِّ مَنْ تَمُرُّ بِهِ، وَالْجُلُوسُ دُونَ شَرَفِ الْمجْلِسِ".[10]
يُقدم الإمام (عليه السلام) هنا معيارين عمليين ويسيرين للتواضع، وهما إفشاء السلام على كل من تلاقيه، والجلوس في أدنى مراتب المجلس. السلام يُزيل حواجز الكبر ويُشيع المحبة، والتواضع في الجلوس يُخبر عن نفسٍ لا تطلب الظهور والرفعة الدنيوية. هذا التوجيه يُرسّخ أهمية السلوك اليومي في بناء الفضائل، ويُعكس مدى ارتباط الأخلاق بالعبادة الظاهرة والباطنة في منهاج أهل البيت (عليهم السلام).
التطبيق العملي والمثال:
لنتخيل عالمًا أو أستاذًا جامعيًا، ذا مكانة علمية واجتماعية رفيعة، أو حتى مديرًا لمؤسسة كبيرة أو شخصية عامة يحظى بالاحترام والتقدير.
1. "السَّلامُ عَلى كُلِّ مَنْ تَمُرُّ بِهِ":
· المثال: هذا العالم أو المدير، بينما يمشي في أروقة الجامعة، أو في بهو المؤسسة، أو حتى في السوق أو في قاعة مؤتمر، يُبادر هو بإلقاء التحية والسلام على كل من يمر به: على الطالب الذي رآه للتو في ممر الكلية، على عامل النظافة الذي يقوم بعمله، على زميله الأقل منه رتبة أكاديمية أو إدارية، على البائع في المتجر، وحتى على شخص لا يعرفه ولكنه قابل وجهه في طريقه. لا ينتظر أن يُلقى عليه السلام أولًا، ولا يُفرّق في إلقاء تحيته بين الوجيه وغير الوجيه، أو بين من هو أعلى منه أو أدنى. ابتسامة خفيفة وكلمة "السلام عليكم" تُلقى على الجميع بتساوٍ، دون تكلف أو تعالٍ.
· التطبيق: هذا السلوك يعكس قمة التواضع؛ فهو يكسر حواجز الطبقات الاجتماعية والرتب الوظيفية، ويُشعر الجميع بقيمتهم الإنسانية المتساوية. العالم أو المدير هنا لا يرى في مكانته ما يُعفيه من هذا الواجب الأخلاقي، بل يرى فيه فرصة للتواصل الإيجابي وبث روح المودة والتقدير في المجتمع.
2. "وَالْجُلُوسُ دُونَ شَرَفِ الْمجْلِس":
· المثال: يُدعى هذا العالم أو المدير إلى اجتماعٍ أو مجلس عام. عند دخوله، ورغم أن مكانته العلمية أو الإدارية قد تُخوّله الجلوس في صدر المجلس أو في المكان الأبرز الذي يُشير إلى "شرف المجلس"، فإنه يتعمد الجلوس في مكان عادي، ليس بالضرورة في الصدارة، ربما في الصفوف الوسطى، أو في جانب من المجلس، تاركًا الفرصة للآخرين للجلوس في الأماكن الأبرز. قد لا يُبرر فعله، بل يختار ذلك عن قصد، غير ساعٍ إلى الأضواء أو المظاهر، بل متجنبًا إياها.
· التطبيق: هذا الفعل يُجسّد التواضع العملي بامتياز؛ فهو يُظهر أن قيمة الإنسان ليست في المكان الذي يجلس فيه، بل في ذاته وعلمه وخلقه. إن تجنب التصدّر والجلوس في مكان أقل بروزًا، رغم الأحقية الاجتماعية، يُرسل رسالة قوية بأن المرء لا يطلب التكريم الخارجي بقدر ما يسعى إلى التواضع الداخلي، وهو ما يُكسِبه احترامًا حقيقيًا ومودة في القلوب أكثر من أي منصب أو كرسي.
بهذين المثالين، يوجهنا الإمام العسكري (عليه السلام) إلى أن التواضع ليس مجرد شعور باطني، بل هو سلوك يومي ملموس يُمارس في أبسط تفاصيل الحياة، بدءًا من التحية وصولًا إلى اختيار مكان الجلوس، مما يُعزز من قيم التعاضد والتقدير المتبادل في المجتمع.
قال الإمام الحسن العسكري(عليه السلام):" أَلتَّواضُعُ نِعْمَةٌ لا يُحْسَدُ عَلَيْها". [11]
هنا يصف الإمام (عليه السلام) التواضع بـ "النعمة"، وهي دلالة على كونه هبة إلهية ومنة عظيمة، لا مجرد صفة اختيارية. والأهم في هذا الوصف هو قوله "لا يُحسد عليها"، فالحسد من أخطر آفات المجتمع التي تُفتت أواصره. المتواضع لا يثير حسد الناس لأنه لا يُظهر تفوقًا أو تباهيًا، بل يتنازل عن ذلك. هذه النعمة تُعدّ صمام أمان للفرد والمجتمع، تُحافظ على الود وتُجنب العداوات، وتُعزز السلم الاجتماعي.
إنَّ التواضع، كما بيّنه الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، هو نعمةٌ حقيقية تُطفئ نار الحسد وتُوقد شعلة المودة والاحترام في القلوب، لأنه يُنزع عن صاحبه رداء الكِبر الذي يُثير الضغائن، ويُلبسه ثوب التواضع الذي يجذب القلوب.
مثال عملي وتطبيقي:
لنتصور مهندسًا معماريًا بارعًا، ذا خبرة واسعة في تصميم المباني الكبرى. يقوم هذا المهندس بالإشراف على مشروعٍ ضخم يتطلب تعاون فريقٍ كبير من المهندسين الشباب والعمال. على الرغم من علمه وخبرته الطويلة التي تفوق الجميع، إلا أنه يتعامل مع كل فرد في فريقه بتواضع جمّ.
1- عندما يُقدم مهندس شاب فكرةً جديدة أو حلًا لمشكلة، يستمع إليه المهندس البارع بانتباه وتقدير، حتى وإن كانت الفكرة بسيطة أو تحتاج إلى تطوير. يطرح الأسئلة البناءة، ويُشجع الشاب على تطوير فكرته، ويُشيد بالجهد المبذول، بدلًا من أن يستحوذ على الفكرة لنفسه أو ينتقص من شأنها بسبب خبرته المتراكمة.
2- في النقاشات الفنية، يُشارك المهندس البارع معرفته بسلاسة ووضوح، ويُقبل النقد البناء من زملائه الأقل خبرة بذهنٍ متفتّح، ويُقر بأخطائه إذا ما تبينت له، دون أن يشعر بأن ذلك يُقلل من شأنه أو مكانته.
3- عند تحقيق إنجازٍ في المشروع، يحرص على نسبة الفضل إلى جهود الفريق بأكمله، وإبراز مساهمات كل فرد، لا سيما المبتدئين منهم، بدلًا من أن ينسب النجاح لنفسه فقط كقائد للمشروع. كما أنه لا يتردد في مد يد المساعدة للعمال إذا واجهوا صعوبة في مهمة معينة، ويُشاركهم الجهد أحيانًا بيده، مُظهرًا احترامًا وتقديرًا لعملهم بغض النظر عن بساطته الظاهرية.
في هذا المثال، نرى كيف أن تواضع المهندس البارع لم يُفقده مكانته أو تقدير فريقه، بل على العكس تمامًا؛ لقد حصّنه من حسد الأقران أو استياء المرؤوسين، وجعل منه قائدًا محبوبًا ومُلهمًا. أصبح الجميع يثق به، ويُقدم له المساعدة بسعادة، ويُشاركونه الأفكار بحرية، لأنهم يعلمون أن تواضعه هو نعمةٌ تضمن أن إنجازاتهم لن تُهمل، وأن كرامتهم ستُصان، وأن البيئة العمل ستبقى إيجابية وداعمة، خالية من مظاهر الحسد والتنافس المذموم.
2- أخلاق العلاقات الاجتماعية (حسن الجوار، كتمان السر، الوعظ سرًا، الصداقة).
قال الإمام الحسن العسكري( عليه السلام) :" مِنَ الْفَواقِرِ الَّتي تَقْصِمُ الظَّهْرَ جارٌ إِنْ رَأي حَسَنَةً أَطْفَأَها وَإِنْ رَأي سَيِّئَةً أَفْشاها". [12]
يصف الإمام (عليه السلام) جار السوء بأنه من "الفواقر" التي "تقصم الظهر"، وهي دلالة على مدى خطورة وتأثير هذا النوع من الجوار على حياة الإنسان وراحته النفسية والاجتماعية. فالجار الذي لا يُثني على الخير ويسعى لإطفائه، ويُفشي السوء ويسعى لنشره، هو مصدر عذاب وضرر بالغ. هذا الحديث يُبرز أهمية اختيار الجار الصالح، ويُحذر من عواقب الجار السيء، ويُشير إلى أن البيئة الاجتماعية المُحيطة بالفرد لها تأثير عميق على استقراره وأمنه.
يُقدم الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) في هذا الحديث الشريف وصفًا دقيقًا ومؤثرًا لنوعٍ من الجيران تُشكل تصرفاتهم خطرًا مدمرًا على الفرد والمجتمع. لنتأمل مثالًا عمليًا يُجسد هذه "الفاقرة التي تقصم الظهر":
المثال العملي والتطبيقي:
تخيل مجتمعًا صغيرًا أو حيًا سكنيًا يضم عائلة "زيد" المعروفة بسعيها الدؤوب في العمل الخيري والتطوعي. يقوم زيد وعائلته بجهود مضنية لجمع التبرعات لمساعدة الأسر المتعففة في الحي، وتنظيم حملات تنظيف وتجميل للمساحات العامة، بل ويُشجعون الشباب على المشاركة في أنشطة تُعزز الوعي البيئي والأخلاقي. هذه أعمال حسنة ظاهرة وملموسة تهدف إلى الارتقاء بالحي.
وفي المقابل، يعيش بجوارهم "عَمر"، وهو شخص تتطابق صفاته مع ما ذكره الإمام (عليه السلام). عندما يرى عمر عائلة زيد تُنظم حملة لتنظيف حديقة الحي أو تُقيم فعالية لمساعدة المحتاجين، لا يكتفي بعدم المشاركة، بل يبدأ بالتقليل من شأن هذه المبادرات الحسنة. ينشر الشائعات بأن هدفهم ليس سوى الشهرة أو مصالح شخصية، أو يُشكك في نزاهة جمع التبرعات، مُحاولًا بذلك "إطفاء" شعلة الخير والحماس في قلوب الآخرين وإثارة الشكوك حول نواياهم الصادقة.
على النقيض، إذا ما صدر عن أحد أفراد عائلة زيد سهوًا أو خطأ غير مقصود – كأن يُسيء ركن سيارته لبرهة في مكان غير مخصص، أو يتأخر في تسديد فاتورة اشتراك خدمة ما، أو حتى إذا وقع خلاف بسيط بين طفلين من العائلتين – فإن عمرًا يستغل الموقف فورًا. لا يتوانى عن تضخيم الخطأ ونشره بين الجيران وفي التجمعات، مضيفًا إليه التفاصيل والمبالغات، بل وقد يُسارع إلى إفشاء هذا "السيئة" المصغرة في المجالس العامة وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، مُشيرًا إليها على أنها دليل على فساد أخلاق العائلة أو نفاقها. هدفه هو التشهير وتشويه السمعة، ما يُحدث ضررًا بالغًا يُقارب "قصم الظهر" ليس فقط لزيد وعائلته، بل ولجهودهم الخيرة في المجتمع، ويُعرقل أي محاولة لتشجيع الآخرين على فعل الخير.
هذا المثال يُبين كيف أن الجار السلبي، الذي يُطفئ الحسنة ويُفشي السيئة، يُصبح مصدرًا دائمًا للقلق والإحباط، ويُشكل تهديدًا حقيقيًا للاستقرار الاجتماعي والنفسي للأفراد، تمامًا كما وصفه الإمام (عليه السلام) بـ"الفاقرة التي تقصم الظهر".
قال الإمام الحسن العسكري(عليه السلام):" مَنْ وَعَظَ أَخاهُ سِرًّا فَقَدْ زانَهُ، وَمَنْ وَعَظَهُ عَلانِيَةً فَقَدْ شانَهُ".[13]
يُقدم الإمام (عليه السلام) قاعدة ذهبية في أدب النصيحة والإصلاح. فالهدف من الوعظ هو الإصلاح لا الفضيحة. الوعظ في السر يُحافظ على كرامة الأخ ويُشعره بالاهتمام الصادق، فيُزينه ويُشجعه على قبول النصح. أما الوعظ العلني فهو يُشين صاحبه ويُفضحه، مما يجعله يتمسك بخطئه أو يُنفر من النصيحة. هذا الحديث يُعلي من قيمة الحفاظ على ماء وجه الآخرين، ويُبين أن الحكمة في الدعوة والنصح هي مفتاح الوصول إلى القلوب وتغيير النفوس.
تطبيق عملي لحديث الإمام الحسن العسكري (عليه السلام): "مَنْ وَعَظَ أَخاهُ سِرًّا فَقَدْ زانَهُ، وَ مَنْ وَعَظَهُ عَلانِيَةً فَقَدْ شانَهُ".
الموقف:
في إحدى المؤسسات، لاحظ زميلٌ لآخر أنه يرتكب خطًا متكررًا في طريقة إنجاز إحدى المهام الإدارية، مما يؤدي إلى تأخير في إتمام المعاملات، وقد يتسبب في ضيق للمراجعين. هذا الخطأ ليس متعمدًا، بل ناتج عن عدم إدراك للخطوات الصحيحة أو سهو.
التطبيق العملي للحديث:
بدلًا من أن يقوم الزميل بتصحيح الخطأ علنًا أمام باقي الموظفين أو المراجعين، أو يُشير إلى زميله بالنقد أمام الملأ مما قد يُسبب له حرجًا ويُقلل من مكانته ويُصيبه بالخجل أو الدفاعية، انتظر الزميل حتى نهاية الدوام، أو اختلى بزميله في وقت استراحة هادئ بعيدًا عن أعين المتواجدين.
تحدّث معه بأسلوب ودي ونصوح، مُستهلًا كلامه بالثناء على اجتهاده وحرصه العام، ثم انتقل بلطف ليُشير إلى الخطأ الملاحظ، مُقترحًا عليه الطريقة الصحيحة أو البديلة لإنجاز المهمة بكفاءة وسرعة، ومُقدمًا المساعدة إذا احتاج إليها. كان حديثه خاليًا من اللوم المباشر أو التحقير، ومُركزًا على مصلحة العمل والارتقاء بالأداء.
النتيجة:
تقبّل الزميل النصيحة بسرور وامتنان، حيث شعر بأن زميله حريصٌ على مصلحته ونجاحه، وأنه أراد له الخير دون إحراجه أو التشهير به. أدى ذلك إلى تحسين أدائه في المهمة المعنية، وإلى تعزيز روح التعاون والثقة المتبادلة بين الزميلين، بل وبين أفراد الفريق عمومًا. هذا النهج حفظ كرامة المنصوح، وعزّز قيمة النصيحة كفعل بناء، وأظهر جمال السلوك الأخلاقي في المحيط العملي، فكان "زينة" له وللعلاقة المهنية.
المبحث الثالث: أخلاق التعامل مع الدنيا والآخرة (ترك الحرام، نتائج الأعمال، الرزق).
قال الإمام الحسن العسكري( عليه السلام):" إِنَّكُمْ في آجال مَنْقُوصَة وَأَيّام مَعْدُودَة وَالْمَوْتُ يَأْتي بَغْتَةً، مَنْ يَزْرَعْ خَيْرًا يَحْصِدُ غِبْطَةً وَمَنْ يَزْرَعْ شَرًّا يَحْصِدُ نِدامَةً، لِكُلِّ زارِع ما زَرَعَ لا يُسْبَقُ بَطيءٌ بِحَظِّهِ، وَلا يُدْرِكُ حَريصٌ ما لَمْ يُقَدَّرُ لَهُ، مَنْ أُعْطِيَ خَيْرًا فَاللّهُ أَعْطاهُ، وَمَنْ وُقِيَ شَرًّا فَاللّهُ وَقاهُ". [14]
هذا الحديث من جوامع الكلم، يُلخص فلسفة الحياة والجزاء في بضع عبارات. يُشدد الإمام (عليه السلام) على حقيقة قصر الحياة وسرعة مرورها، وأن الموت يأتي فجأة. يُقدم مبدأ العدل الإلهي في الجزاء، فالحصاد على قدر الزرع: خير يُقابل بغبطة، وشر يُقابل بندامة. يُرسّخ الإمام (عليه السلام) أيضًا مفهوم الرزق المقدر، وأن لا حريص يُدرك ما لم يُقدر له، ولا بطيء يُسبق حظه. وينتهي بتأكيد مبدأ التوفيق الإلهي، فكل خير وكل وقاية من الشر هي من الله تعالى. هذا الحديث يُلهم المؤمن على اغتنام الوقت، وحسن العمل، والتوكل على الله تعالى، والإيمان بالقضاء والقدر.
مثال عملي وتطبيقي للحديث الشريف:
في خضمّ الحياة المعاصرة المتسارعة، حيث تتوالى الأحداث وتتزاحم المهام، قد يجد المرء نفسه منغمسًا في دوامة العمل الدنيوي والسعي لتحقيق الأهداف المادية، وقد ينسى حقيقة أن "الْأَيّامَ مَعْدُودَةٌ وَالْمَوْتَ يَأْتي بَغْتَةً". هذا الوعي بحدود العمر وقِصره ليس دعوةً للكسل أو اليأس، بل هو حافزٌ دائم للتخطيط الحكيم للحياة، الدنيوية والأخروية معًا.
لنتأمل سلوك فردٍ يدرك هذه الحقيقة الجوهرية. هو يرى أن وقته المتاح هو رأس ماله الحقيقي. لذا، بدلًا من إضاعة الساعات في لغو الكلام، أو الانغماس في وسائل التواصل الاجتماعي بلا هدف، أو السعي وراء الثروة بطرق غير مشروعة، يُبادر إلى توجيه جهده نحو ما هو خيرٌ وباقٍ.
إنه يرى في كل يوم فرصة لـ "يَزْرَعَ خَيْرًا". فمثلًا، يحرص على تخصيص جزء من وقته لتعلم علمٍ نافع، أو لتقديم المساعدة لجاره المُسن، أو للتصدق بجزء من ماله على المحتاج، أو لإصلاح ذات البين بين المتخاصمين، أو حتى لمجرد إلقاء كلمة طيبة على من حوله. يمارس عمله بإتقان وأمانة، لا لأنه يُراقب من رؤسائه، بل لأنه يُراقب من الله تعالى ويُؤمن بأن إتقان العمل عبادة. يتعامل مع أسرته برفق ومودة، ويربي أبناءه على القيم الفاضلة، مُدركًا أن هذا هو استثمارٌ حقيقيٌ في الأجيال القادمة.
وعلى النقيض، يرى ذاك الذي يهمل هذه الحقيقة، فيُفني أيامه في اللهو المفرط، أو يكتنز المال من حِلّه وحرامه دون وازع، أو يَنشر الفتنة والشائعات بين الناس، أو يُسيء معاملة الآخرين مُعتقدًا أنه سيفلت من التبعات. هذا السلوك يُمثل "مَنْ يَزْرَعْ شَرًّا".
وبمرور الأيام، تتجلى حكمة الإمام العسكري (عليه السلام) في واقع الحال. فالفرد الأول، الذي زرع الخير، يجني ثمار "غِبْطَةً"؛ يشعر بالرضا الداخلي والسعادة الحقيقية، يجد البركة في رزقه ووقته، وينعم بمحبة الناس واحترامهم، وقبل كل ذلك يطمئن قلبه لقرب الله تعالى منه. أما الفرد الثاني، الذي زرع الشر، فإنه يحصد "نِدامَةً"؛ قد يرى عواقب أفعاله في حياته الدنيا من ضيق في الرزق، أو كره الناس، أو عداوة الأهل، إضافة إلى الندم الذي يملأ قلبه على ما فات، والخوف من العاقبة الأخروية.
وفي النهاية، يُدرك الجميع أن "لِكُلِّ زارِع ما زَرَعَ"، وأن العجلة أو الطمع لن يُغير ما قُدر للإنسان من رزق أو أجل؛ فـ "لا يُسْبَقُ بَطيءٌ بِحَظِّهِ، وَلا يُدْرِكُ حَريصٌ ما لَمْ يُقَدَّرُ لَهُ". وهكذا، يُصبح المؤمن الحكيم مُسلمًا لأمر الله تعالى، يوقن بأن "مَنْ أُعْطِيَ خَيْرًا فَاللّهُ أَعْطاهُ، وَمَنْ وُقِيَ شَرًّا فَاللّهُ وَقاهُ"، فيُشكر على الخير ويستعيذ من الشر، مُركزًا جهده وطاقته في زراعة ما يُرضي الله تعالى ويُفيد خلقه، مُوقنًا بأن الجزاء من جنس العمل، وأن الأيام وإن كانت معدودة، إلا أن ثمارها تكون خالدة.
المبحث الرابع: الارتقاء الروحي في أحاديث الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)
1- عمق العبادة (التفكر في أمر الله، صلاة الليل، ذكر الله والموت).
قال الإمام الحسن العسكري( عليه السلام):" لَيْسَتِ الْعِبادَةُ كَثْرَةَ الصِّيامِ وَالصَّلوةِ وَإِنَّما الْعِبادَةُ كَثْرَةُ التَّفَكُّرِ في أَمْرِ اللّهِ".[15]
يُصحح الإمام (عليه السلام) هنا مفهوم العبادة، مُبينًا أن جوهرها ليس في الكثرة الكمّية للفرائض الظاهرية فحسب، بل في العمق الكيفي للتفكر في عظمة الله تعالى وآياته. التفكر في أمر الله يُولد الخشوع، والتدبر، ومعرفة الله حق معرفته، مما يُؤدي إلى عبادةٍ حقيقيةٍ نابعةٍ من القلب والعقل. هذا الحديث يُشجع على التأمل والتدبر في ملكوت الله، ويُثمن الجانب المعرفي والقلبي في العبادة على مجرد الأداء الشكلي، مما يُعلي من الروحانية ويُغذي الإيمان بالبصيرة.
مثال تطبيقي:
يُمكن لنا أن نتأمل في حال شخص يعمل في مجال خدمة المجتمع، أو يضطلع بمسؤولية عامة. قد يرى هذا الشخص عمله في البداية مجرد واجب وظيفي يؤديه ليلًا ونهارًا، أو يقتصر فهمه للعبادة على مجرد الإكثار من الصيام والصلاة الظاهرية دون استحضار عمق الغاية من وجوده وعمله.
ولكن، عندما يبدأ هذا الشخص في "كثرة التفكر في أمر الله تعالى" كما أرشد الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، فإن رؤيته للحياة ولعمله تتغير جذريًا. فهو لا يتفكر في عظمة خلق الله تعالى فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى التفكر في أمر الله تعالى المتعلق بإقامة العدل، ونصرة المظلوم، وخدمة الخلق، وإتقان العمل، ومحاربة الفساد، وتطبيق القيم الإلهية في الواقع المعاش.
هذا التفكر العميق يدفعه إلى:
1- يُصبح سعيه الدائم لتطوير جودة الخدمات التي يُقدمها، ولحل المشكلات المجتمعية، نابعًا من إدراكه أن هذا جزء من عبادته لله تعالى الذي أمر بالإحسان في كل شيء.
2- يمتنع عن أي شكل من أشكال الظلم أو الفساد، ليس خوفًا من العقوبة البشرية، بل يقينًا بأن الله تعالى أمره بالعدل والإحسان، وأن أي خروج عن ذلك يُعد عصيانًا لأمره.
3- لا يكتفي بالقيام بالحد الأدنى من الواجبات، بل يُبادر إلى البحث عن حلول مبتكرة للمشكلات، ويسعى إلى إحداث تغيير إيجابي في محيطه، إيمانًا بأن هذا يُحقق مرضاة الله تعالى وخدمة أمره.
بهذا، يتحول عمله اليومي، ومسؤولياته، وتفاعلاته مع الناس، إلى عبادة حقيقية عميقة، تفوق مجرد الأداء الكمي للشعائر، لأنها مبنية على التفكر المستمر في أمر الله تعالى والسعي لتطبيقه في كل جانب من جوانب الحياة.
قال الإمام الحسن العسكري(عليه السلام):" إِنَّ الْوُصُولَ إِلَى اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ سَفَرٌ لا يُدْرَكُ إِلاّ بِامْتِطاءِ اللَّيْلِ". [16]
يُشبه الإمام (عليه السلام) الوصول إلى الله تعالى بـ "السفر"، وهي استعارة بليغة تُوحي بالجهد والمشقة والمسير الدؤوب. ويُحدد وسيلة هذا السفر الجوهرية بـ "امتطاء الليل"، أي قيام الليل والعبادة فيه. الليل هو وقت السكون والهدوء، حيث تقل المشتتات وتتفتح أبواب القلوب للقرب الإلهي. هذا الحديث يُؤكد على أهمية التهجد والخلوة بالله في منتصف الليل كسبيل أساسي للارتقاء الروحي وتحقيق القرب من الحق سبحانه وتعالى، ويُشير إلى عمق العلاقة بين العبد وربه التي تُبنى في ساعات الصفاء.
إن حديث الإمام الحسن العسكري (عليه السلام): "إن الوصول إلى الله عز وجل سفر لا يدرك إلا بامتطاء الليل" يُعدُّ من الأحاديث العميقة التي تُشير إلى أهمية العبادة الخالصة والاجتهاد الروحي في أوقات السكون والبعد عن صخب الحياة اليومية. إنه دعوة لاقتناص ساعات الليل الهادئة لتحقيق القرب الإلهي والارتقاء بالنفس.
مثال عملي وتطبيقي:
في خضم الحياة العصرية المتسارعة، التي تُثقل كاهل الإنسان بالمسؤوليات اليومية والملهيات المتعددة، يأتي هذا الحديث ليُقدم خارطة طريق للاتصال الروحي العميق. يمكن تصور شخصٍ، بعد انتهائه من أعباء يومه المعتادة وعودته إلى منزله، يجد نفسه أمام فرصةٍ ذهبية عند حلول الليل. بدلًا من الانغماس الكلي في الترفيه أو الانشغال بما لا يُثمر روحيًا، يُقرر هذا الشخص أن "يمتطي الليل".
يبدأ "سفره الليلي" بالابتعاد عن الضجيج الخارجي والداخلي. قد يُخصص جزءًا من الليل، حتى لو كان قصيرًا، كالساعة التي تسبق الفجر مثلًا، للوقوف بين يدي الله تعالى. في هذا الوقت، وهو وقت يُعرف بالهدوء والسكون، حيث تخفت الأصوات وتنام العيون، يُصبح التركيز على العلاقة مع الخالق أيسر وأعمق. يقوم هذا الشخص بأداء صلاته بتركيز وحضور قلب، مُتدبرًا معاني الآيات والأذكار. ثم ينتقل إلى مرحلة المناجاة والدعاء الصادق، مُفرغًا همومه وآماله بين يدي ربه، طالبًا العون والتوفيق. قد يُخصص وقتًا للتفكير في أعمال يومه، مُحاسبًا نفسه على ما قدم وما قصر، ومتفكرًا في عظمة الخلق ودقائق الوجود، مما يُعزز من بصيرته وإيمانه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر
[1] ـ السمناوي، محمد، "لمحة موجزة عن حياة وتراث الإمام الحسن بن علي العسكري عليه السلام"، من صفحته، موقع كتابات في الميزان؛ القرشي، باقر شريف، حياة الإمام الحسن العسكري" دراسة وتحليل"، دار الكتاب الإسلامي، قم المشرفة، ط1، 1988، ص7، 15، 16، 23.
[2] ـ حدّث موسى بن جعفر بن وهب البغدادي فقال: سمعت أبا محمد الحسن (عليه السلام) يقول: "كأني بكم وقد اختلفتم بعدي في الخلف منّي، أما إن المقرّ بالأئمة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) المنكر لولدي كمن أقرّ بجميع أنبياء الله ورسله ثم أنكر نبوّة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، والمنكر لرسول الله (صلى الله عليه وآله) كمن أنكر جميع الأنبياء، لأن طاعة آخرنا كطاعة أوّلنا والمنكر لآخرنا كالمنكر لأوّلنا، أما إنّ لولدي غيبة يرتاب فيها الناس إلاّ من عصمه الله عزّ وجل". الصدوق، كمال الدين، ج2، ص409.
[3] ـ فقد حدّث أبو علي بن همّام قائلًا: سمعت محمد بن عثمان العمري قدس الله روحه يقول: سمعت أبي يقول: سئل أبو محمد الحسن بن علي (عليهما السلام) وأنا عنده عن الخبر الذي روي عن آبائه (عليهم السلام): "إنّ الأرض لا تخلو من حجة لله على خلقه إلى يوم القيامة وأن من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية" فقال (عليه السلام): "إنّ هذا حقّ كما أنّ النهار حق"، فقيل له: يا ابن رسول الله فمن الحجة والإمام بعدك؟ فقال: ابني محمّد هو الإمام والحجة بعدي. من مات ولم يعرفه مات ميتة جاهلية، أما إنّ له غيبة يحار فيها الجاهلون، ويهلك فيها المبطلون ويكذب فيها الوقّاتون، ثم يخرج فكأني أنظر إلى الأعلام البيض تخفق فوق رأسه بنجف الكوفة". ينظر، الصدوق، كمال الدين وإتمام النعمة، ج2، ص409.
[4] ـ المجلسي، بحار الأنوار، ج75، ص372.
[5] ـ القرشي، حياة الإمام العسكري، ص329-342.
[6] ـ إشارة إلى ما حدّث به الحسن بن محمد بن صالح البزّاز قائلًا: سمعت الحسن بن علي العسكري (عليهما السلام) يقول: "إنّ ابني هو القائم من بعدي وهو الذي يُجري فيه سنن الأنبياء بالتعمير والغيبة حتى تقسو القلوب لطول الأمد فلا يثبت على القول به إلاّ من كتب الله عزّ وجلّ في قلبه الإيمان وأيّده بروح منه". الصدوق، كمال الدين، ج2، ص524.
[7] ـ الحراني، إبن شعبة، تحف العقول عن آل الرسول (صلى الله عليه وآله)، الناشر: جامعة المدرسين، ص 486.
[8] ـ سور النحل/الآية:125.
[9] ـ الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج12، ص108.
[10] ـ الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج3، ص317
[11] ـ الحراني، إبن شعبة، تحف العقول، ص489.
[12] ـ النمازي الشاهرودي، علي، مستدرك سفينة البحار، ج2، ص128.
[13] ـ الحراني، تحف العقول، ص 486 .
[14] ـ الحراني، تحف العقول، ص363.
[15] ـ الحراني، تحف العقول، ص448.
[16] ـ المجلسي، بحار الانوار، ج83، ص78.






