البحث المتقدم

البحث المتقدم

١٣ رجب ١٤٤٧

التأويل الإمامي للكرّة الإلهيّة: دراسة عقديّة تحليليّة في دلالات آية الإسراء على ضوء سنن الرجعة

 

المُقدّمة

 

     تُمثّل آية الكرّة، الواردة في سياق سورة الإسراء:6 {ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا}  محورًا استراتيجيًا في فلسفة التاريخ العقدي لدى أهل البيت (عليهم السلام). هذه الآية، رغم ورودها في سياق بني إسرائيل، إلا أن المنهج التأويلي الإمامي ربطها بأصل الرجعة، كاشفًا عن بُعدها الكوني والأخروي. فالكرّة هي العودة والتمكين، وتُمثّل تجسيدًا للعدالة، التي لا يكتمل إنجازها إلا بعودة قادة الحق لمواجهة الباطل في الحياة الدنيا، ليكون أبهى تجلياتها في رجعة الحسين (عليه السلام)، ويمكن بيان ذلك في عدة نقاط أساسية، وقد جاءت على النحو الآتي:

 

أولًا: التأصيل العقدي للكرّة (الرجعة) والتمييز بين الحسابين

 

     يؤسس الأئمة (عليهم السلام) مفهوم الكرّة على كونه سُنّة إلهية خاصة، لا عامة، وهي مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بتمحيص الإيمان والشرك. فقد وضّح الإمام الصادق (عليه السلام) الحدّ الفاصل لشمولية هذا الحدث، مُبيّنًا أنه خاص بمن استحقوه بعقيدته وفعله:

 

"إِنَّ الرَّجْعَةَ لَیْسَتْ بِعَامَّةٍ بَلْ هِیَ خَاصَّةٌ، لَا یَرْجِعُ إِلَّا مَنْ مَحَضَ الْإِیمَانَ مَحْضًا أَوْ مَحَضَ الشِّرْکَ مَحْضا". مختصر البصائر، ص123.

 

     تُثبت هذه المحدودية أن الكرّة هي مرحلة تصفية وحساب استثنائي، هدفها إقامة العدل على أعتى المفسدين الذين لم يأخذوا جزاءهم الوافي، ويُضاف إلى ذلك التكليف الإلهي الخاص الممنوح للإمام الحسين (عليه السلام) لتولي زمام الحساب في هذه المرحلة قبل القيامة الكبرى:

 

"إِنَّ الَّذِی یَلِی حِسَابَ النَّاسِ قَبْلَ یَوْمِ الْقِیَامَةِ الْحُسَیْنُ بْنُ عَلِیٍّ فَأَمَّا یَوْمَ الْقِیَامَةِ فَإِنَّمَا هُوَ بَعْثٌ إِلَی الْجَنَّةِ وَبَعْثٌ إِلَی النَّارِ". بحار الأنوار، ج53، ص43.

 

     تؤكد هذه النصوص أن الكرّة تُعد بمثابة "المحكمة الإلهية المصغّرة" التي تقع بعد تمامية إظهار الدين على يد الإمام المهدي (عج)، ويُعهد بالإمام الشهيد (عليه السلام) فيها مهمة الفصل في مظالم تاريخية.

 

ثانيًا: سنن الكرّة الحسينية وأصل الجزاء بالمثل (حذو القذّة)

 

     إنّ الإسقاط التأويلي لآية الكرّة على الثأر لدم الحسين (عليه السلام) يُمثّل المصداق الأجلى لتحقيق العدل الإلهي في الدنيا. لقد ربط الإمام الصادق (عليه السلام) آية الكرّة بالرجعة الانتقامية للحسين (عليه السلام) وخصومه بشكل لا يقبل تأويلًا آخر:

 

"إِنَّ أَوَّلَ مَنْ یَکُرُّ إِلَی الدُّنْیَا الْحُسَیْنُ ‌بْنُ ‌عَلِیٍّ (عليه السلام) وَأَصْحَابُهُ وَیَزِیدُ ‌بْنُ ‌مُعَاوِیَةَ وَأَصْحَابُهُ فَیَقْتُلُهُمْ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) ثُمَّ رَدَدْنا لَکُمُ الْکَرَّةَ عَلَیْهِمْ وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا". تفسير العياشي، ج2، ص282.

 

     يُبرز مصطلح "حذو القذة بالقذة" أصل الجزاء الانتقامي المتكافئ، تأكيدًا على ضرورة إقامة العدالة بين الفاعلين الأصليين للجريمة الكبرى. وتمتد دلالة الكرّة لتشمل الوصاية الكبرى، حيث يتولى الإمام الحسين (عليه السلام) دفن الإمام المهدي (عج)، كما جاء عن الإمام الصادق (عليه السلام):

 

"...ثُمَّ رَدَدْنا لَکُمُ الْکَرَّةَ عَلَیْهِمْ خُرُوجُ الْحُسَیْنِ (عليه السلام) فِی سَبْعِینَ مِنْ أَصْحَابِهِ... وَالْحُجَّةُ الْقَائِمُ بَیْنَ أَظْهُرِهِمْ فَإِذَا اسْتَقَرَّتِ الْمَعْرِفَةُ فِی قُلُوبِ الْمُؤْمِنِینَ أَنَّهُ الْحُسَیْنُ جَاءَ الْحُجَّةَ الْمَوْتُ فَیَکُونُ الَّذِی یُغَسِّلُهُ وَیُکَفِّنُهُ... الْحُسَیْنَ‌ بْنَ ‌عَلِیٍّ (عليه السلام) وَلَا یَلِی الْوَصِیَّ إِلَّا الْوَصِیُّ". الکافي، ج8، ص206.

 

     هذا البيان يُثبّت حقيقة عقدية مفادها أن سلطة الإمامة العليا تبقى محفوظة لأهل البيت (عليهم السلام)، وأن الحسين(عليه السلام) يقع في منزلة تلي القائم في مرحلة الكرّة.

 

ثالثًا: الكرّة كضمان للتمكين وتحقيق الملك الإلهي العالمي

 

      تتجاوز الكرّة مرحلة الانتقام إلى مرحلة التمكين المطلق للأمة الصالحة، وهو ما تشير إليه الآية بالإمداد بـ {أَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا}. يربط أمير المؤمنين علي (عليه السلام) هذه الوعود بالملك والوفرة بمرحلة الفرج والملك الدائم الذي يسبق القيامة:

 

"...فَعِنْدَهَا تَوَقَّعُوا الْفَرَجَ وَهُوَ تَأْوِیلُ هَذِهِ الْآیَةِ ثُمَّ رَدَدْنا لَکُمُ الْکَرَّةَ عَلَیْهِمْ... لَیَعِیشُ إِذْ ذَاکَ مُلُوکٌ نَاعِمِینَ وَلَا یَخْرُجُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ مِنَ الدُّنْیَا حَتَّی یُولَدَ لِصُلْبِهِ أَلْفُ ذَکَرٍ آمِنِینَ مِنْ كُلِّ بِدْعَةٍ وَآفَةٍ... عَامِلِینَ بِکِتَابِ اللَّـهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ". البحار، ج51، ص57.

 

    هذه العودة تُمثّل مرحلة استقرار عقائدي وقانوني شامل. وتتسع دلالة الكرّة لتشمل كرّة رسول الله (ص وآله) التي تحقق الملك الإلهي العالمي الموعود:

 

"إِنَّ لِعَلِیٍّ (عليه السلام) فِی الْأَرْضِ کَرَّةً مَعَ الْحُسَیْنِ ابْنِهِ... ثُمَّ کَرَّةً أُخْرَی مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (ص وآله) حَتَّی یَکُونَ خَلِيفَةً فِی الْأَرْضِ... یُعْطِی اللَّـهُ نَبِیَّهُ (ص وآله) مُلْكَ جَمِیعِ أَهْلِ الدُّنْيَا... حَتَّى يُنْجِزَ لَهُ مَوْعُودَهُ فِي كِتَابِهِ كَمَا قَالَ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُون". البحار، ج53، ص74.

 

رابعًا: الكرّة كدلالة على العجب الغيبي وخصوصية أهل البيت (عليهم السلام)

 

    تُضفي الروايات على الكرّة بُعدًا غيبيًا، حيث أشار أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى أن هذه العودة هي "العَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ"، وتتميز بقيام أموات لإنجاز القصاص:

 

"...وَأَیُّ عَجَبٍ أَعْجَبُ مِنْ أَمْوَاتٍ یَضْرِبُونَ کُلَّ عَدُوٍّ لِلَّـهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَهْلِ بَیْتِهِ وَذَلِکَ تَأْوِیلُ هَذِهِ الْآیَةِ ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ...". البحار، ج53، ص60.

 

     إنّ الإشارة إلى "أموات يضربون" تؤكد أن طبيعة هذه الكرّة تخرج عن السنن المادية المألوفة. كما أكد صادق آل محمد (عليه السلام) وأن هذا الوعد جزء من الخصوصية المعرفية والفضل الإلهي لآل محمد (عليهم السلام):

 

"...ثُمَّ قَالَ: هَذِهِ قِبَابُ الْأَئِمَّةِ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ... حَتَّی یَأْتِیَ الْوَقْتُ الَّذِی ذَکَرَهُ اللَّـهُ (عَزَّ وَجَلَّ) فِی کِتَابِهِ: ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا". دلائل الإمامة، ص295.

 

الخاتمة

 

     يؤكد التحليل العقدي لدلالات آية الكرّة أن التأويل الإمامي أرسى فلسفة تاريخية تضمن العدل الإلهي في الدنيا عبر سنّة الرجعة الحسينية؛ فالكرّة تثبت أن الإمام الحسين (عليه السلام) هو قاضي هذه المرحلة، محققًا القصاص المتكافئ والتمكين التام الموعود، لتصبح الآية مرشدًا منهجيًا لناموس الجزاء والتكوين الإلهي.

مواضيع ذات صلة