أسئلة كثيرة ترد مفادها هل ذُكر النبي محمد (ص) في التوراة والإنجيل كما يذكر القرآن؟
وأقول مقدما، أن كل أمر يُلحق ضررا بمصالح أي جهة سوف تقوم بطمسه وتشويهه لا بل تحريفه بما يخدم مصالحها، وتحريف البشارة بالنبي القادم أيضا تعرضت للتحريف وهذا ما يذكره الكتاب المقدس وبكل وضوح حيث وصفهم تعالى بقوله: (اليوم كلّه يُحرفون كلامي. عليّ كل افكارهم بالشر).(1) فجاء القرآن وشهد على صحة تحريفهم لكتب الأنبياء : (يُحرفون الكلم من بعد مواضعه).(2) وقوله كذلك : (يحرفون الكلم عن مواضعه).(3) وبعد تسببهم بضياع الكتب المقدسة ، قاموا بكتابة كتب أخرى أوهموا أتباعهم بأنها من الله فيقول تعالى عنهم : (يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله).(4) هذا التحريف لم يحصل في المسائل الجانبية، بل طال اهم الأحكام والبشارات ، مثل الحلال والحرام (ولا تقولوا للكذب الذي تصفه ألسنتكم هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب).(5) وكان من ضمن أهدافهم تحريف مبدأ النبوة القادمة، لأنهم شعروا أن النبي القادم لا يكون منهم فقد عرفوه جيدا (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم).(6) والقرآن لا يذكر شيئا إن لم يكن الحق، فذكر تعالى أن هذا النبي مذكور في كتبهم (الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل).(7) الله تعالى يعرف نوايا الأمم حول رسالاته. ولذلك فإن لله تعالى طرق كثيرة للحفاظ على رسالاته (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون). وهذا الحفظ جرى حتى على التوراة والإنجيل ولكن في أهم فصولهما وهي النبوة الخاتمة. ولذلك نراه تعالى يُخفي البشارة بنبيه في بطون تلك الكتب على الرغم من التحريف الحاصل فيها. ثم أعمى الله بصائر المحرفين عن معرفة خفايا بعض هذه النصوص ولذلك نرى تخبطهم في تفسيرها.
قبل رحيله أوصى السيد المسيح تلاميذه بالبشارة الكبرى التي جاء من أجلها (اليوم الذين ارتفع فيه أوصى الرسل الذين اختارهم).( 8 ) فقد أرجأ إبلاغهم بالبشارة إلى يوم رحيله، وهم قاموا بواجبهم في إبلاغ الأمم ببشارة السيد المسيح. فقد كان بطرس ويوحنا وبقية الاثنا عشر يجولان لإيصال هذه البشارة إلى كل الناس حيث أوصاهم السيد المسيح بذلك قائلا لهم : (اذهبوا إلى العالم أجمع واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها).(9) فلو عرفنا بأن كلمة الإنجيل تعني (البشارة) لأصبح النص (اذهبوا إلى العالم أجمع واكرزوا بالبشارة للخليقة كلها). فما هي هذه البشارة التي حرص السيد المسيح على إيصالها للأمم؟
أن السيد المسيح (ع) أخبرهم بأن الله سيسترجعهُ إليه ثم بيّن سبب رحيله بهذه السرعة، فهو لم يمض عليه سوى ثلاث سنوات بالتبليغ قضاها متخفيّا بفعل الظالمين حتى أنهُ امر حوارييه بأن لا يقولوا لأحد أنه المسيح : (أوصى تلاميذه أن لا يقولوا لأحد إنه يسوع المسيح، وانتهرهم كي لا يقولوا لأحد عنه).(10) ثم أوصاهم وبشّرهم فقال لهم : (الآن فأنا ماض إلى الذي أرسلني. لكني أقول لكم الحق: إنهُ خير لكم أن أنطلق، لأنهُ إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي، ولكن إن ذهبت ارسلهُ إليكم. ومتى جاء ذاك يُبكت العالم على خطيّة وعلى بر وعلى دينونة. أما على خطية فلأنهم لا يؤمنون بي. وأما على بر فلأني ذاهب إلى أبي. إن لي أمورًا كثيرة أيضا لأقول لكم، ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن. وأما متى جاء ذاك، روح الحق، فهو يرشدكم إلى جميع الحق، لأنهُ لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به، ذاك يُمجدني، لأنهُ يأخذ مما لي ويخبركم).(11) وفي هذا النص إشارة من السيد المسيح على أن الذي يأتي بعده هو روح الحق وهو الذي سوف يرشدهم إلى جميع الحق. وهذا ما نراه يلوح في الكثير من آيات القرآن : (إن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنهُ الحق من ربهم).(12) لا بل أن السيد المسيح شهد بأن روح الحق هذا إذا أتى سوف يشهد له كما نقرأ (ومتى جاء روح الحق، الذي من عند الله ينبثق، فهو يشهد لي).(13)
أما بشارة النبي موسى فيقول سفر الأعمال : (أن موسى قال للآباء: إن نبيا مثلي سيُقيم لكم الرب إلهكم من إخوتكم. له تسمعون في كل ما يُكلمكم به، ويكون أن كل نفس لا تسمع لذلك النبي تُباد. وجميع الأنبياء أيضا أنبأوا بهذه الأيام).(14) وتكررت هذه البشارة ايضا في الأعمال 7 : (هذا هو موسى الذي قال لبني إسرائيل، نبيا مثلي سيُقيم لكم الرب إلهكم من إخوتكم. له تسمعون).(15) فقد شهد موسى بأن جميع الأنبياء بشّروا بالنبي القادم. وبالرجوع إلى توراة موسى لنبحث عن هذه البشارة، وجدناها واضحة تؤيد ما قاله المسيح وتلاميذه للناس، ففي التثنية قال الله تعالى لموسى: (يقيم لك الرب إلهك نبيا من إخوتك. له تسمعون. أقيم لهم نبيا من وسط إخوتهم مثلك، وأجعل كلامي في فمه، فيُكلمهم بكل ما أوصيه به، ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي أنا أطالبهُ).(16)
اليهود كانوا يعرفون بشارة موسى بظهور نبي مثله ولكن هذا النبي ليس منهم بل من اخوتهم أي من نسل إسماعيل، وكانوا يترقبون ظهوره في كل جيل، ولذلك عندما ظهر يوحنا وأعلن نبوته (سألوه: النبي أنت؟ فأجاب : لا).(17) لأن يوحنا يعلم أنهُ من نسل إسحاق وأن النبوة سلبها الله من نسله ووضعها في نسل إسماعيل فهي العهد الذي عاهد به إبراهيم. ولذلك جهد اليهود من أجل ألّا يُدرج اسم إسماعيل في إنجيل المسيح، وقد نجحوا في ذلك فلا تجد أي ذكر للنبي إسماعيل في كافة الأناجيل. ولكن إنجيل برنابا ذكر هذا العهد والوصية بكل وضوح وعلى لسان السيد المسيح (ع) ولذلك قامت المسيحية بتحريم إنجيل برنابا ورفضه ومحاربته ورصدت الأموال لمتابعة أخباره في كل أنحاء العالم، لأن فيه كلام السيد المسيح الذين يُشكل خطرا عليهم وهو قوله : (وعد الله إبراهيم قائلا: بنسلك أبارك كل قبائل الأرض وكما حطمت يا إبراهيم الأصنام تحطيما هكذا سيفعل نسلك. أجاب يعقوب يا معلم قل لنا بمن صُنع هذا العهد؟ فإن اليهود يقولون بإسحاق والإسماعيليون يقولون بإسماعيل، أجاب يسوع : لا تغشوا أنفسكم، صدقوني لأني أقول لكم الحق أن العهد صُنع بإسماعيل لا بإسحاق).(18) السيد المسيح في هذا النص يقول بكل وضوح بأن العهد سُلب من إسحاق ووضع في إسماعيل. والقرآن يُقدّم لنا صورة هذا العهد بأوضح معانيها فيقول: (وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود).(19) والمسيح (ع) لم يقم بتطهير المعابد من الأصنام، بل هو نفسه أصبح صنما يُعبد كما نرى صورته على الصليب في كل الكنائس لا بل حتى في رقاب أتباعه، وما نراه اليوم من عبادات المسيحيين فإنها تخلو من الركوع والسجود. الذي طهّر بيت الله من الأصنام هو نبينا محمد (ص) وهيأهُ لعبادة الله الخالصة، عبر السجود لله وحده، وبذلك تحقق الوعد على يد حفيد إسماعيل؛ لأن نسب السيد المسيح كما يذكرهُ الإنجيل يمتد إلى إسحاق، وليس إسماعيل. ونبينا (ص) يمتد نسبه إلى إسماعيل. ومن هنا قال النص (ولا يقوم في بني إسرائيل نبي كموسى بل من اخوتهم).(20)
والمعروف أن إسماعيل هو أخو إسحاق. ومن هنا فإن شجرة نسب السيد المسيح عبر أمه أو عبر يوسف بن هالي النجار تمتد إلى إسحاق كما ذكرها متى في إنجيل وبقية الأناجيل. وهذا ما يعترف به بولص في إنجيله فيقول : (ليس جميع الذين من إسرائيل هم إسرائيليون، ولا لأنهم من نسل إبراهيم، بل بإسحاق يُدعى لك نسلا).(21) فأثبت أن النبوة في نسل إسماعيل، وأن السيد المسيح من نسل إسحاق. وفي إنجيل متى تأكيد على ذلك فيقول عن نسب السيد المسيح : (كتاب ميلاد يسوع المسيح ابن داود ابن إبراهيم، إبراهيم ولد إسحاق. وإسحاق ولد يعقوب... ويعقوب ولد يوسف رجل مريم التي ولد منها يسوع الذي يُدعى المسيح).(22)
الخلاصة: لا يستطيع النصارى إنكار نبوة محمد (ص) في الإنجيل والتوراة، فإضافة لما تقدم هناك أمور يستحيل معها إثبات ذلك، وهي :
الأول: أن المسيحية برمتها تقول: إن السيد المسيح هو الله. والنص يقول : أقيم لهم نبيا وليس إلها.
الثاني : بشهادة الأناجيل فإن السيد المسيح لم يؤمن به أحد كما يقول يوحنا : (ومع أنهُ كان قد صنع أمامهم آيات كثيرة، لم يؤمنوا به، اعمى عيونهم، وأغلظ قلوبهم).(23)
الثالث: السيد المسيح لم يُكمل رسالته، قطعها بعد أن اشتد الطلب عليه ليقتلوه فجمع تلاميذه وقال لهم: (إني أصعد إلى أبي وابيكم وإلهي وإلهكم... ولما قال هذا ارتفع وهم ينظرون. وأخذتهُ سحابة من أعينهم).(24)
الرابع : عندما قطع رسالته وذهب إلى السماء، انتهت نبوته، وهذا يُثبت أن هناك نبي آخر سيأتي بعده، لأنهُ ذهب إلى مكان لا يستطيعون الوصول إليه وينتفعون برسالته : (أنا معكم زمانا يسيرا، ثم أمضي إلى الذي أرسلني. ستطلبونني ولا تجدونني، وحيث أكون أنا لا تقدرون أنتم أن تأتوا).(25) وفي عودته الثانية لايكون نبيا بل قائدا.
الخامس : أن النبي يوحنا بن زكريا لم يقل أن السيد المسيح هو النبي بعده. فقد جمع أهله وعشيرته وقال لهم : (أنا أعمدكم بماء التوبة، ولكن الذي يأتي بعدي هو اقوى مني).(26) وبعد هذا البلاغ تم اعدام يوحنا على يد القيصر، وارتفع السيد المسيح بعده بشهر. والمسيح كان معاصرا ليوحنا فلم يُشر له.
السادس: أنهُ امر حوارييه بأن لا يقولوا لأحد أنه المسيح : (أوصى تلاميذه أن لا يقولوا لأحد إنه يسوع المسيح، وانتهرهم كي لا يقولوا لأحد عنه).(27) فكيف تكون البشارة فيه وهو يرفض أن يعلن أحد اسمه.
السابع: كان موسى رجل حروب، ولم يكن عيسى كذلك. بل أن نبينا (ع) اضطر لتجهيز الجيوش لحرب المشركين الذين وقفوا بوجه دعوته.
الثامن : أن اوجه التشابه بين موسى والنبي محمد (ص) أن لموسى ابٌ يُعرف به ، وكذلك للنبي محمد (ص) أب يعرف به وكلاهما قد حُمل به وولد ولادة طبيعية، بينما عيسى يختلف عنهم في ذلك.
التاسع: أوجه التشابه أيضا ، أن موسى تزوج وانجب ذرية، ونبينا (ص) تزوج وانجب ذرية وعيسى لم يفعل ذلك.
من كل ما تقدم نطرح سؤال على المسيحية كلها، ما هي المعايير التي تم بواسطتها اختيار هذه الأناجيل الأربعة من بين اكثر من سبعين إنجيلا؟ وما لنا نرى إنجيل برنابا وأناجيل أخرى مرفوضة من قبلكم تذكر البشارة بالنبي القادم وتذكرهُ بالاسم حرفيا : (محمد رسول الله).(28)
المصادر:
1- سفر المزامير 56 : 5.
2- المائدة : 41.
3- المائدة: 13.
4- البقرة : 79.
5- سورة النحل: 116.
6- البقرة : 146.
7- الأعراف : 157.
8- سفر أعمال الرسل 1 : 2.
9- إنجيل مرقس 16 : 15.
10- إنجيل متى 16 : 20. و : إنجيل مرقس 8 : 30.
11- إنجيل يوحنا 16 : 1 ــ 14. وقول السيد المسيح (يُبكت العالم). ففي قاموس المعاني يقول (بكت يُبكت) : وتعني توبيخ شديد، تأنيب، تقريع، عنّفَ بشدة، وغاليا ما يُبكت: يكون بالحجة والغلبة.
12- البقرة : 144.
13- إنجيل يوحنا 15: 26.
14- سفر أعمال الرسل 3 : 22.
15- سفر أعمال الرسل 7 :37.
16- سفر التثنية 18 : 15 ــ 18.
17- إنجيل يوحنا 1 : 21.
18- إنجيل برنابا، الفصل الثالث والأربعون.
19- البقرة : 125.
20- قول النص من اخوتهم ، أي من أبناء عمومتهم وعمومة بني إسرائيل هم بنو عيسو بن إسحاق، وبنو إسماعيل بن إبراهيم. ومن المعهود في التوراة إطلاق لفظ (الأخ) على ابن العم، ومن ذلك قول موسى لبني إسرائيل كما في سفر التثنية 2 : 4 : (أنتم مارّون بتخم إخوتكم بنو عيسو).
21- رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية 9: 7.
22- إنجيل متى 1 : 1 ــ 16.
23- إنجيل يوحنا 12 : 37.
24- إنجيل يوحنا 20 : 17. و : سفر أعمال الر سل 1 : 9.
25- إنجيل يوحنا 7 : 34 ــ 35.
26- إنجيل متى 3 : 11.
27- إنجيل متى 16 : 20. و : إنجيل مرقس 8 : 30.
28- وردت جملة (محمد رسول الله) في إنجيل برنابا أكثر من خمسين مرّة. بعضها يوحي بأن هذه العبارة حُذفت من الأناجيل المتداولة عمدا.






