البحث المتقدم

البحث المتقدم

١٢ رجب ١٤٤٧

الإمام محمد الباقر {ع} ولادته وحياته

 

 

في غرة شهر رجب ، يكون ميلاد الإمام محمد الباقر (ع)، بهذه المناسبة نتقدم بأصدق التهاني والتبريكات إلى مقام صاحب العصر والزمان، وإلى مراجعنا العظام، وإلى جميع المسلمين وشيعة أهل البيت(ع). سائلين الله تعالى أن يرزقنا الثبات على ولايتهم .

 

أمه فاطمة بنت الإمام الحسن المجتبى ولهذا يطلق عليه ابن الخيرتين (الحسن والحسين) سبطي رسول الله [ص] قال رسول الله[ص].

 عن ولادته: يولد لوالدي الحسين ولد أسمه اسمي يبقر العلم بقرا ويكون قائم زمانه ويمتد من صلبه قائم هذه الأمة.. وقال لجابر سوف تدرك زمانه فأبلغه سلامي .

معنى  كلمة "الباقر" تعني في اللغة العربية" المتوسع في العلم، الشاق للعلم المطلع على دقائقه"، وهو لقب اشتهر به الإمام محمد بن علي؛ لأنه كان يفتح أبواب العلم ويكشف أسراره، مشتق من "بقر"  بمعنى شق ووسع، وقد ورد عن رسول عنه[ع] هناك نصوص كثيرة على إمامة الإمام الباقر(ع): إن الحسين بن علي (ع) لما حضره الذي حضره، دعا ابنته الكبرى فاطمة بنت الحسين(ع) فدفع إليها كتابا ملفوفا، ووصية ظاهرة، لأن علي بن الحسين  السجاد (ع) كان جريحا وفي رواية إنه كان مريضا.. وحين رجعوا المدينة أو قَبل ذلك .

دفعت فاطمة  بنت الحسين الكتاب إلى إخيها علي بن الحسين (ع)، ثم صار والله ذلك الكتاب إلينا... أي الى ولده محمد الباقر [فيه والله ما يحتاج إليه ولد آدم منذ خلق الله آدم إلى أن تفنى الدنيا (الكافي: ١ / 303).

 

أما منزلة أبيه .. ورد عن رسول الله[ص] في منزلة الإمام زين العابدين (ع) إذا كان يوم القيامة ينادي مناد أين زين العابدين؟ فكأني أنظر إلى ولدي علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب يخطر بين الصفوف. فيدخل الجنة بغير حساب. عن الإمام الصادق(ع): ينادي مناد يوم القيامة: أين زين العابدين؟ فكأني أنظر إلى علي بن الحسين يخطر بين الصفوف . وكلمة يدخل الجنة بغير حساب . أي أنه لا يشمله الوقوف في المحشر.

أما الإمام الباقر الذي ولد في زمن معاوية بن أبي سفيان .  والبلاد الإسلامية تعج بالظلم، وتموج بالكوارث والخطوب من ظلم معاوية وجور ولاته الذين نشروا الإرهاب وأشاعوا الظلم في البلاد. فشهد معركة الطف وعمره أربع سنوات .فعاش ويلاتها وهو صغير.

 علمه أبوه زين العابدين تقوى الله وهم بيت النبوة وموضع الرسالة فكان خير خلف لخير مات في عهد هشام بن عبد الملك الأموي ودفن في بقيع المدينة المنورة إلى جوار عمه الحسن [ع]، وفي اليوم الثاني من هذا الشهر العظيم ذكرى ولادة الإمام علي الهادي{ع} نزيل سامراء .

الإمام الباقر .سماه جده رسول الله [ص]محمد، ولقّبه بالباقر قبل أن يولد وهذا من  أعلام نبوته.

 

من الحوادث الكبيرة التي قام بها الامام الباقر{ع} هو دوره ووظيفته في الامامة التي جعلهم الله في منصب الدفاع عن الاسلام والشريعة. فانه ورث مجتمعا تغيرت فيه العقيدة وصار ينظر أغلبهم للسلطان أنه المسؤول الشرعي عن التعليم العقائدي وشرح القرآن . حتى ظهرت سنة في الإسلام أن تلغى كثير من الأدلة الشرعية من القرآن والحديث النبوي ويؤخذ من الحاكم باعتباره ولي الأمر . وهذا أمر ألصقه المفسرون بحكّام لا يعرفون أصول الصلاة فأصبحوا منظرين ومفسرين للإسلام .

 

مشكلة الانحراف في المنظومة الإسلامية: تعتبر من أخطر المظاهر التي واجهت الأئمة المعصومين{ع}كافة والانحرافَ الفكريَ بثه الاُمويّون في الأمة قبل السقيفة وبعدها . حيث ظهرت روايات وأحاديث أوجدت عقائد باطلة فيها كذب وتدليس في الأحكام خدمةً للسلطان ; ودخلت الامة في نفق مظلم منه ان الطاعة {لله والرسول وأولي الأمر هو السلطان} وإن السلطان ظل الله في الأرض" هذه المفاهيم  جعلت الأمة مستسلمة للحكام الطغاة وجاء علما البلاط يبررون طغيانهم وعصيانهم حتى وصل الحال أن الحجاج بن يوسف الثقفي يمثلونه من حملة القرآن, وأصبح كلام هشام ومروان ويزيد قرينا لأوامر الله ورسوله ولا بد أن تكون هناك جهة تتصدى لظاهرة الانحراف .

 

ومن الظواهر التي عاصرها الإمام الباقر[ع] [ظاهرة الانحراف السياسي] تمثلت في تحويل الأمويين الخلافة إلى ملك عضوض يتوارثه الأبناء عن الآباء، يوزّعون فيه المناصب الحكومية على ذويهم وأزلامهم. وأصبح المال ملكا للسلطان يأخذ ما يريد ويترك ما يريد ..ويأتي أبناء العشيرة وأبناؤهم ومن يعاونهم كل الأموال والأراضي لهم ..كما عاش الإمام محنة عداء الأمويين للعلويين الذي تمثل في سبّهم لجدّه امير المؤمنين[ع] على المنابر طيلة ستة عقود. وأوّل من ابتدأ بسب الإمام علي(ع) على المنابر من الخلفاء الأمويّين: ملكهم الأوّل معاوية!  سبه على منبر الشام ثم أصدر أمراً بورقة كتبها وعممت في البلدان بوجوب سب علي(ع) على المنابر في جميع البلاد الإسلامية في كل صلاة خاصة في صلاة يوم الجمعة، وتبعه الرعاع الأمويون وانصارهم المرتزقة حتى زمن عمر بن عبد العزيز ثم يأتي من نصب نفسه فقيهًا عند ومن يؤيد شتم آل الرسول{ص}، أراد أن يبرّر ما اقترفه معاوية من السب؛ فادّعى أنّه اجتهد فقال بإباحة سب علي(ع)، فإن أخطأ في الفتوى فله أجر وإن أصاب فأجران. وبدأ بعضهم يبرّر أقوال تظهر أمر الخلفاء بالسب لعلي(ع)؛ فالنووي في (شرح مسلم) يبرّر لمعاوية قوله لسعد: ما منعك أن تسب أبا تراب؟ بقوله: إنّ معاوية لم يصرّح بأنّه أمر سعداً بسبّه، وإنّما سأله عن السبب المانع.واستند النووي بهذا التأويل إلى قول العلماء بأنّ الأحاديث التي فيها دخلٌ على صحابي يجب تأويلها.{ ومعنى دخل}هو وقوع شخص في موقف مخجل أو سيئ يجعله مستحقاً للسب والذم. فهم على هذا الأساس يأوّلون كلّ فعل وقول يصدر من صحابي بمثل هذا التأويل .

 

أمّا سبّ الصحابة بشكل عام، فإنّهم يفتون بأنّ الذي يسب أحد الصحابة يعزَّر، وأفتى بعض المالكية بأنّه يقتل! والإمام علي أمير المؤمنين(ع) صحابيٌ، بل أفضل الصحابة، فلا بد إذن على قولهم، أن يعزّر أو يقتل كلّ من كان يسب عليا(ع)!! لذلك أخذ بعضهم على رأسهم الوهابية إنكار سب الخلفاء للإمام أمير المؤمنين(ع) وتكذيبه، وأنّى لهم ذلك؛ إذ قد تكاثرت الأخبار الدالّة على وقوعه في أمّهات مصادرهم.

 

 ومن الأحداث البارزة في حياته الكريمة توالي الثورات المسلحة ضد الحكم الاُموي بعد واقعة كربلاء .في سنة( 63 ) ثار أهل المدينة وفي سنة ( 65 ) ثار التوابون ، وفي سنة ( 66)ثار المختار الثقفي  كما ثار الزبيريون، وفي سنة ( 77) ثار المطرّف بن المغيرة بن شعبة، وفي سنة ( 81) تمرّد عبد الرحمن بن محمّد بن الأشعث على حكومة عبد الملك بن مروان. وهذان كان أبويهما من رجال السلطة الأموية. ومن أهم الحوادث الخطرة في زمانه انتشرت ظاهرة وضع الحديث وكتابته في تاريخ الإسلام فقد ركّز الاُمويون على هذه الأداة  نكالا بالإسلام وخدمة لسلطانهم ، حتّى روى ابن طرفة المعروف بنفطويه في تأريخه أن أكثر الأحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة كانت في أيام بني اُميّة تقرّباً إليهم بما يظنّون أنهم يُرغمون اُنوف بني هاشم. كان معاوية يقول اذكروا فضائل للصحابة فانها اقرح لقلوب اصحاب ابي تراب..

 

أما الانحراف الأخلاقي والاجتماعي فقد استشرى في أوساط الأمة كما اشتهر يزيد بن معاوية بفسقه  وشرب الخمر وامتلأ البلاط بالمخنثين والبغايا وكان يلعب بالكلاب والقرود ويقضي أوقاته بين المغنّين والمغنّيات والشعراء. وشاع عنه أنه كان فاحشاً بذيئاً، كما كان أولاده وأحفاده على شاكلته. وأشاع الأمويّون بين المسلمين روح التعصّب فقرّبوا العرب وأبعدوا غير العرب وأثاروا القومية والمناطقية فمزّقوا بذلك وحدة الصف الإسلامي وأثاروا الأحقاد .فكان وجود قمة العلم وهم أهل البيت[ع] الذين حافظوا على الإسلام بأرواحهم ولسانهم. فكان للإمام الباقر دور بارز في زمن أبيه في حركته لتأسيس صرح العلم والمعرفة حيث كان يحضر المحافل العامة ويحدّث الناس ويرشدهم، كما كان يفسّر القرآن للناس ويعلمهم الأحاديث النبويّة الشريفة ويثقّفهم بالسيرة النبويّة المباركة وكان يحرص الناس على حضور درسه ومجلسه في المسجد النبوي الشريف، وهو الممهد لمدرسة الإمام الصادق{ع}..

 

ومن الروايات المشهورة عنه عن عبد الله الثقفي قال أخرج هشام بن عبد الملك أبا جعفر محمد بن علي عليهما السلام من المدينة إلى الشام، وكان ينزله معه، فكان يقعد مع الناس في مجالسهم، فبينما هو قاعد وعنده جماعة يسألونه إذ نظر إلى النصارى يدخلون في جبل هناك فقال : ما لهؤلاء النصارى ؟ ألهم عيد اليوم ؟ قالوا لا يا ابن رسول الله، ولكنهم يأتون عالما لهم في هذا الجبل في كل سنة في هذا اليوم فيخرجونه ويسألونه عما يريدون وعما يكون في عامهم، قال أبوجعفر : وله علم ؟ فقالوا : من أعلم الناس، قد أدرك أصحاب الحواريين من أصحاب عيسى، قال : فهلموا  نذهب إليه، فقالوا : ذلك إليك يا ابن رسول الله، فتقنع أبو جعفر  الباقر{ع}  وشد رأسه بثوبه ومضى هو وأصحابه فاختلطوا بالناس حتى أتوا الجبل،: فقعد أبو جعفر وسط النصارى بين أصحابه، فأخرج النصارى بساطا ثم وضعوا الوسائد، ثم دخلوا فأخرجوا عالمهم.. فصار يقلب عينيه في الناس .ثم قصد نحو أبي جعفر فقال له أمنا أنت أو من الأمة المرحومة؟ فقال أبو جعفر : من الأمة المرحومة، قال : أفمن علمائهم أنت أو من جهالهم ؟ قال : لست من جهالهم، قال النصراني أسألك أو تسألني ؟ قال أبو جعفر : سلني أنت  فقال : يا معشر النصارى رجل من أمة محمد يقول : سلني ! إن هذا لعالم بالمسائل.  ثم قال : يا عبد الله أخبرني عن ساعة ماهي من الليل ولا هي من النهار أي ساعة هي ؟ قال أبو جعفر : هي الساعة التي ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، قال النصراني : فإذا لم تكن من ساعات الليل ولا من ساعات النهار فمن أي الساعات هي ؟ فقال أبو جعفر : من ساعات الجنة وفيها يتم توزيع أرزاق الناس ، فقال النصراني : أخبرني عن أهل الجنة كيف صاروا يأكلون ويشربون ولا يتغوطون ولا يبولون.؟ أعطني مثله في الدنيا، فقال أبو جعفر: هو هذا في الدنيا شكله مثل الجنين في بطن أمه يأكل مما تأكل أمه ولا يتغوط، قال النصراني : أصبت، ألم تقل : ما أنا من علمائهم ؟ قال أبو جعفر : إنما قلت لك : ما أنا من جهالهم، قال النصراني : أسألك: أخبرني عن رجل دنا من امرأته فحملت بابنين جميعا يعني، حملتمها  في ساعة واحدة وماتا في ساعة واحدة، ودفنا في ساعة واحدة في قبر واحد، عاش أحدهما مائة وخمسين سنة، وعاش الآخر خمسين سنة، من هما ؟ قال  الإمام أبو جعفر هما {عزير وعزره}، كان حمل أمهما كما وصفت، ووضعتهما على ما وصفت، وعاش عزره وعزير كما وصفت في ولادتهما وموتهما .. ولبيان الأمر[عاش عزره وعزير ثلاثين سنة سويا  ثم أمات الله عزيرا مائة سنة وبقي عزره يحيا، ورد في سورة البقرة قصته في قوله تعالى:{أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. قال الإمام ثم بعث الله عزيرا بعد موته مائة عام .عاش مع أخيه عزره عشرين سنة. ثم ماتا ودفنا في قبر واحد وفي يوم واحد. قال النصراني يا معشر النصارى ما رأيت أحدا قط أعلم من هذا الرجل، لا تسألوني عن حرف وهذا بالشام، ردوني، فردوه إلى كهفه.

مواضيع ذات صلة