#مؤسسة_الوافي_توثق
بينما عقد آية الله الحيدري اجتماعًا مع القائد العثماني جاويد باشا وتفاوض بشؤون الحرب الدائرة في القرنة بالبصرة لدى اقتراب الجيش المؤلف من حوالي (20) ألفًا من الخطوط الأمامية، وما إن توجه آية الله إلى القرنة حتى وصلته أنباء سقوطها بيد المحتل وتراجع الجيش العثماني مما أجبر هذا الحدث آية الله لتغيير وجهته نحو العمارة وعند وصوله اكتشف أن القائد العثماني أمر القوات العثمانية بالتراجع وتسليم العمارة للبريطانيين، وقد رفض آية الله التراجع والتنحي عن موقفه قائلًا: بأن جيشه سيجاهد، فإما النصر أو الشهادة. وحين سمع القائد العثماني كلمات السيد الحيدري استعاد ثقته بقوة جيشه وأمرهم بالثبات في ساحة المعركة بالعمارة.
ومن العمارة أرسل آية الله الحيدري برقيات لعدة مناطق عراقية طالبًا المساعدة على الخطوط الأمامية للمعركة، وأرسل كذلك برقيات لعدد من رجال الدين الذي لبوا نداءه، مثل حجة الإسلام شيخ الشريعة الأصفهاني والسيد مصطفى الكاشاني والسيد علي الداماد الذي تأخر في بغداد بسبب الفيضانات.
لقد احتشد حوالي (40) ألفًا من المجاهدين في العمارة في غضون أسبوعين، وعيّن العثمانيون العقيد سليمان عسكري بيك بدلًا عن جاويد باشا، واتجهت حشود المجاهدين إلى القرنة في البصرة لاستردادها ورابطت على مشارفها.
زار العقيد سليمان عسكري بيك آية الله الحيدري وسلمه رسالة شكر من الدولة العثمانية تكريمًا لوجود المرجعية الشيعية ودورها في الدفاع عن الأرض، وقام العقيد بعرض مساعدات غذائية ومالية لقوات المجاهدين، لكن آية الله الحيدري رفضها قائلًا: إن المجاهدين قادرون على الدفاع عن أنفسهم.
وفي خطوة منه لتشجيع من معه من المجاهدين قرر آية الله الحيدري النزول إلى الجبهة بنفسه بالرغم من رفض علماء الدين ومن معه لهذا القرار بعده الزعيم الروحي لحركتهم، إلا أنه لم يتراجع مشيرًا إلى حاجة الجبهة إلى وجوده، لغرس الشجاعة في قلوب الشباب الذي ضحوا بأنفسهم من أجل هذه القضية، ومؤكدًا أن هؤلاء الذين احتشدوا تلبية لنداء الجهاد لن يقفوا بخط المواجهة مع الأعداء ما لم نرافقهم في السراء والضراء.
ومع ذلك ظل الجدل قائمًا فقرر آية الله الحيدري أن يقوم باستخارة قرآنية فكانت الآية: ﴿وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت: 6]. فابتهج المجاهدون وزاد ذلك في إيمانهم وتقدموا للجبهة الحربية بشجاعة.
أمر آية الله الحيدري القوات بالتوقف في منطقة صخرية بالقرب من البصرة، أقاموا الليل هناك، حينما بدأ الليل يسدلُ استاره، وأدوا صلاة الفجر، وقرروا الالتحاق بالجيش العثماني عند الصباح، لكنهم فوجئوا بوجودهم بالقرب من القوات البريطانية التي ما إن لاحظت وجودهم حتى بدأت بشن قاراتها عليهم، ومداهمة معسكرات المجاهدين، وحين أراد بعضهم التراجع رفض آية الله الحيدري وأمرهم بالقتال، وحيت اشتدت المعارك بين المجاهدين والبريطانيين حمل آية الله سلاحه وقرآنه ومشى إلى الخطوط الأمامية مرددًا: "لا تخافوا! ان الله ضد هؤلاء الكفرة، أيها المجاهدون دافعوا عن حرمة الإسلام، وأنا أدعو الله أن لا تحرقكم هذه النار". إذ قرر القائد البريطاني باريت مهاجمة القوات العثمانية في الروطة، فتحركت قواته من (المزيرعة) في فجر يوم 20 كانون الثاني 1915م عن طريق البر تساندها المراكب البحرية في النهر، لم تستطع القوات البريطانية من تحقيق شيء بسبب استبسال المجاهدين من عشائر ربيعة وبني لام في معركة الروطة، الذين اجبروا باريت على سحب قواته بعد أربع ساعات من اندلاع المعارك، ففشلت القوة العسكرية البريطانية في احتلال المنطقة؛ لأن السيد مهدي الحيدري كان السبب الأكبر في انتصار الأتراك على البريطانيين؛ لأنه كان قد نصب خيامه قريبًا من ساحة المعركة، وظل صامدًا فيها لا يبالي بقصف المدافع، مما شجع المجاهدين والقوات العثمانية كلها أن تصمد معه وتهزم البريطانيين شر هزيمة، وبذلك حارب المجاهدون ببسالة، وكبدوا العدو خسائر فادحة تقدر بــ (2000) بين قتيل وجريح، بينما استشهد من الشيعة حوالي (14) مجاهدًا وجرح (50)، وعد هذا نصرًا كبيرًا بقيادة آية الله الحيدري، وبفضل دعائه واستخارته التي بثت الشجاعة في روح المجاهدين ورفع هممهم، وتثبيت القوات العثمانية في مقرها دون تراجع؛ لذا كان لها صدى واسع بين أبناء الشعب العراقي، وأعطتهم القوة والعزيمة على محاربة البريطانيين.
وذكر أحد المجاهدين فيما بعد: "أنه عندما حمي الوطيس في المعركة قرر بعض المجاهدين الانسحاب، ولكننا كلما نظرنا إلى خيم آية الله الحيدري وإليه، إذ يقف إلى جانبنا على الخطوط الأمامية في الجبهة كلما شعرنا بالخجل من الانسحاب وقررنا أن نكمل القتال والمواجهة".
وفي هذه المعركة نفسها، أصيب العقيد سليمان عسكري بيك بجروح نقل على إثرها إلى مسشفى في بغداد ... يتبع
المصدر التوثيقي| موسوعة فتوى الدفاع الكفائي| الجزء 3 صفحة 43







