البحث المتقدم

البحث المتقدم

٠٢ صفر ١٤٤٨

المرجعية الدينية وقيادة كتائب المجاهدين لمجابهة البريطانيين (3)

#مؤسسة_الوافي_توثق

المرجعية الدينية وقيادة كتائب المجاهدين لمجابهة البريطانيين

وبسبب تلك السياسة التي كان يتبعها العثمانيون كان الشيخ خيون آل عبيد حاكم مدينة الشطرة معارضًا في بادئ الأمر للانضمام إلى حركة الجهاد، بعد أن أمر بإخراج مستخدمي الحكومة العثمانية من الشطرة في تشرين الثاني 1914م، وطرد الجنود العثمانيين بعد تجريدهم من سلاحهم، لكن منطقة الغراف شهدت في أوائل كانون الأول 1914م استجابة واسعة لدعوة الحبوبي، فنشرت الرايات في الحواضر والبوادي، وعليه فقد أرسل السيد اليزدي عددًا من الكتب إلى رؤساء العشائر في الشطرة من أمثال الشيخ خيون، وعلي آل فضل، وغيرهما يبلغهم بفحوى فتواه، ويأمرهم بالتوجه مع عشائرهم إلى البصرة، بعد تجهيزها وتسليحها، لمقاومة البريطانيين، ومما ذكره في كتابه أن هذا الأمر متعلق بنصرة الإسلام أكثر من تعلقه بنصرة الدولة العثمانية.

حاول السيد محمد كاظم اليزدي التدخل بقوة لهذا الغرض، فأرسل أربع رسائل إلى الشيخ خيون تحثه للانخراط في صفوف المجاهدين، وأرسل رسائل عده إلى أهالي الناصرية وأهالي الشطرة، وكذلك إلى الشيخ كاطع آل بطي، والشيخ علي آل فضل؛ للانخراط في مقاومة البريطانيين المصيرية، على أن السلطات العثمانية في ذلك الوقت أعطت للشيخ خيون الأمان بواسطة متصرف المنتفق حمزة بيك، وباردت إلى إخبار زعماء الحوزة العلمية بذلك، ولا سيما السيد اليزدي الذي أمر بدوره ولده محمدًا أن يُخبر خيونًا بهذا الأمر.

لقد شاركت عشائر المنتفق إلى جانب القوات العثمانية في محاربة البريطانيين خلال الحرب العالمية الأولى، وذلك استجابة منها لدعوة علماء الدين لها في التطوع والجهاد بإزاء (الكفار) دفاعًا عن الوطن والإسلام، وفي اثناء ذلك وصل السيد محمد سعيد الحبوبي الناصرية مع جموع المجاهدين من قبائل وأهالي الفرات الأوسط، في طريقه إلى الشعيبة، اغتنمت الحكومة فرصة وجوده فتوسلت به ان يجلب خيونًا إلى طاعتها وإصلاح أمره لإفساح الطريق للجيوش التي تنحدر من الكوت إلى الناصرية، فأرسل الحبوبي كتبًا إليه مع الشيخ عبد الحسين آل مطر يدعوه إلى الحضور دون قيد أو شرط، امتثل خيون للأمر دون تردد، فركب مع مجموعة من رجال عشيرته يصحبهم الشيخ عبد الحسين آل مطر إلى الناصرية، وعند وصوله توجه إلى دار الحبوبي، الكائنة بالقرب من دار الحكومة، فرحب به، واصطحبه إلى سراي الحكومة، ومن هناك اتصل بالمراجع الحكومية في بغداد، ولم يخرج من السراي حتى استحصل عفوًا عامًا له ولأنصاره، وفي الوقت نفسه أصدر جاويد باشا والي بغداد، والذي كان يومها في القرنة عفوًا عن الشيخ خيون وأنصاره، لتنتهي بذلك الأزمة بين خيون والحكومة، ثم عاد إلى الشطرة في بداية كانون الثاني 1915م ليستعد مع عشيرته وأهالي البلدة للمسير نحو الشعيبة.

ويبدو أن سبب هذا التحول في موقف خيون هو كثرة الكتب المرسلة إليه، بعد أن كان معاديًا للوجود العثماني أضحى معاديًا للحملة البريطانية.

على أثر ذلك تواصلت دعوات الحبوبي الى الجهاد، إذ أدى رجال الدين دورًا بارزًا في إثارة حماسة قبائل المنتفق إلى الجهاد، وكان من بينهم الشيخ محمد باقر الشبيبي، والشيخ علي الشرقي، وكان للأخير دور بارز في حركة الجهاد ضد البريطانيين، إذ كان مبعوثًا من لدن علماء النجف الأشرف إلى مناطق مختلفة من العراق ومنها المنتفق، ففي 25 كانون الأول 1914م حمل رسالة من السيد محمد سعيد الحبوبي إلى شريف آل بندر شيخ عشائر بني زيد في الشطرة، وعموم رجاله يحثهم فيها على الجهاد ضد البريطانيين ويحذرهم من التخلف.

فاستجابت عموم العشائر والأهالي من منطقة المنتفق، وأخذت أفواج الجيش ومقراته بالاستجابة تترى، والذخائر الحربية ترد من السفن والبواخر من الكوت إلى الشطرة فالناصرية، وإذا كانت فتاوي علماء الشيعة في وجوب الجهاد شكلت مفاجأة للحكومة العثمانية، فإن مبادرتهم في قيادة كتائب المجاهدين، وسرعة الاستجابة لهذه المبادرة من قبل أبناء المنتفق، شكل مفاجأة للعثمانيين والبريطانيين على حد سواء.

ففي ٢٩ كانون الأول ١٩١٤م غادر إلى الناصرية الشيخ علي آل فضل مع عشيرة خفاجة التي كانت أول من استجاب لدعوة الحبوبي، وتجهزت للسير عشائر آل غزي، والبدور، والظفير، وآلبوسعد، وعلى إثرها سارت العبودة، وبنو زيد والشويلات، بل عشائر الغراف بأجمعها، ومما يذكر أن الحبوبي ظل لأكثر من شهرين يتردد بين الناصرية وسوق الشيوخ والمجرة؛ لدعوة عشائرها للجهاد فاستجابت له جموع كثيرة.

لقد كانت سوق الشيوخ من أنشط مدن المنتفق، وكان العلامة الكبير الشيخ باقر حيدر قطب هذا التجمع، فقد نشط بنفسه جموع مجاهدي منطقته، وتمركزت عشائر بني مالك التي تضم أربع تجمعات قبلية كبيرة هي بني خيكان، والمجرة، وبني أسد، وآلبو صالح وهو يعكس شدة استجابة عشائر المنتفق لفتاوى رجال الدين وأوامر رؤسائها، لمواجهة البريطانيين، وهو ما التفت إليه النقيب توماس في مذكراته.

وكانت الناصرية تمثل في هذه المرحلة قيادة الجناحين الأيمن والأيسر للجيش العثماني، وكانت القيادة بيد العقيد سليمان بيك.

وأما ما كان يقوم به الحبوبي طيلة مدة مكوثه في الناصرية فكانَ:

 

التجوال بين العشائر لحثها وانضمامها الى الجهاد.

حلّ المنازعات الشخصية والعشائرية.

إرسال الأتباع لأغراض التعبئة والإعلام.

الاتصال الدائم بجنده، والصلاة، وإلقاء الخُطب الحماسية.

قص قصص البطولات العربية خلال التاريخ العربي لإثارة روح القتال في المجاهدين.

صقل النفوس بالأمجاد والأخلاق الكريمة والالتزام.

 

توزيع الإعمال على النخبة الخيّرة من بعض رجاله

لذا كانت هذه الأعمال هي جزءاً كبيراً من حالة التعبئة ومدها بالزخم المعنوي للمجاهدين.

وقد ذكر السيد محسن أبو طبيخ، بأن الحبوبي قد أثار عشائر لواء المنتفق، وتمكن من جمع أعداد كبيرة من المجاهدين من أبنائه تحت راية الجهاد، إذ كان لواء المنتفق قاعدة للثوار، ومعسكراً للمجاهدين، وكان أبناؤه مشعل الثورة ومضيف الثوار. فقد اشتركت العشائر في المواجهات قبل معركة الشعيبة، فمثلاً حدث في الجانب الغربي في ٩ شباط ١٩١٥ مواجهة عند النخيلة بين الخيالة البريطانية وأتباع عزمي باشا السعدون الذين كانوا بحدود ٣٠٠٠ مقاتل. ويذكر الشهرستاني بهذا الصدد بأن عدداً من مسلمي الهند الذين جندتهم بريطانيا في هذه الحرب، التحقوا بركب المجاهدين العراقيين؛ بتأثير فتوى المرجعية الدينية.

بعد حث الحبوبي أبناء العشائر والمدن التي مرّ بها على الالتحاق للجهاد فتبعه الألوف، ثم انطلق من سوق الشيوخ في ٤ ربيع الثاني ١٣٣٣هـ الموافق ليوم ١٩ شباط ١٩١٥م في موكب قُدّر عدده بنحو (٣٠) ألف راجل، و(١٠) آلاف فارس نحو الشعيبة

كان خلال سيره بالجموع ينفق عليهم من ماله الخاص، وقد قدمت له الحكومة العثمانية خمسة آلاف ليرة ذهباً كمساعدة له على مواصلة جهاده ولكنه قائلاً: «ما زلت أملك ما يكفيني فلا حاجة لي به، وإذا مانفذ فشأني شأن الناس أكل ما يأكلون وأشرب ما يشربون».

وفي مدينة الكاظمية سلك المجاهدون طريق نهر دجلة باتجاه العمارة جنوب العراق. وأمر آية الله الحيدري المجاهدين بالتوقف على عدة قرى وبلدات على الطريق للتحدث مع السكان المحليين عن فتوى الجهاد، وطلب العون منهم. وفي إحدى المحطات التي توقفوا عندها، خطب السيد أحمد الحيدري نجل آية الله مهدي الحيدري نيابة عن والده خطاباً حماسياً ظهر فيه روح الشجاعة: «بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي جعل الجهاد باباً من أبواب جنته، ومفتاحاً من مفاتيح رحمته، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد صلى الله عليه وآله، المبعوث رحمةً للعالمين، وعذاباً على الكافرين، وعلى آله وأصحابه الذين شيّدوا بالسيف أركان الدين، وأبادوا عساكر المشركين. فقد فرض الله الجهاد على كافة العباد، وجعله وسيلة ليوم المعاد، وامتحن به أولياءَه، وميز من أعدائه. أيها المؤمنون مالكم تقاعدتم عن نصرة الله ورسوله إلى جهاد الكافرين؟ الله الله في حرم الله ورسوله الطاهرين صلى الله عليه وآله وقبور الأئمة الطاهرين (سلام الله عليهم أجمعين)، لا تتركوها بأيدي الأعداء فينالوا منها ما يشاؤون من الهتك والهدم. أفلا تقتدون بالأئمة الطاهرين في إحياء هذا الدين، إذ بذلوا أنفسهم الزكية في سبيله حتى صار القتل لهم عادة، وكرامتهم من الله الشهادة. ولا عذر لكم اليوم بعد خروج العلماء الأعلام على عجزهم وشدة ألبابهم. فاعتبروا يا أولي الألباب، نرى جبلة البهائم والحيوانات -مهما بلغ بينها من العداوة والبغضاء- إذا دهمها حيوان أجنبي اتحدت وتعاضدت عليه. فكيف لا نكون بمنزلة البهائم بأن نتحد ونتعاضد؟ وقال عز وجل: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾» انتهى .. 

 

المصدر التوثيقي| موسوعة فتوى الدفاع الكفائي| الجزء 3 صفحة 33

 

مواضيع ذات صلة