البحث المتقدم

البحث المتقدم

٢١ صفر ١٤٤٨

منبر الجمعة.. "للأطفال أمهات وللوطن رجال" قصة الشهيد التي خلدتها المرجعية

 

 

#مؤسسة_الوافي _توثق

ما جاء في خطبة الجمعة التي ألقاها الشيخ عبد المهدي الكربلائي (دام عزه) في الصحن الحسيني الشريف في يوم 24 شوال 1437 هـــ الموافق 29 / 7 / 2016م

 

أيّها الإخوة الأعزاء والأخوات الكريمات أودّ أن أقصّ على مسامعكم حكاية رجل من رجال معركة الجهاد للدفاع عن العراق ومقدّساته قد ختم الله تعالى له بالشهادة في سبيله.. التفتوا أيّها الإخوة إلى الدروس والعبر في قصّة هذا المقاتل الشهيد، القصص ترد في القرآن الكريم ليس لمجرّد سرد القصص بل لكي نستلهم منها الدروس والعبر ونتعلّم الشيء الكثير من قصة هذا المواطن العراقي البسيط المقاتل الشهيد، تحمل قصّته مبادئ سامية في الجهاد والتضحية والإيثار من أجل هذا الوطن وعزّة أهله، يحسن بنا أن نتوقّف عند تلك المبادئ والقيم لنستلهم منها دروسًا لمسيرة حياتنا الحاضرة، هو مواطنُ بسيط لا يملك شيئا من الدنيا غير زوجة صالحة وثلاثة من الأولاد الصغار ولكنهم جميعًا مرضى، خرج من داره حاملًا همومًا أثقلت كاهله متوجها إلى ساحات القتال، استوقفه على قارعة الطريق أحد جيرانه الذين عاشروه فعرفوه بدماثة الخلقة وحب مساعدة الآخرين وقد اعتادوا يوميًا سماع فصول الأذان وتراتيل القرآن تصدح بها حنجرته، ودّع جاره موصيًا إياه بوالديه المسنين وأطفاله، التفت وراءه وجال ببصره هنا وهناك لم يجد غير مساكن بسيطة متفرقة شيدها أصحابها بعرق جبينهم وتراءى له ابنه الصغير يقف خلف نافذة غرفتهم التي كانت دون زجاج

وهو يرمقه بنظرة مُزجت بين ألم الفراق والاعتزاز بأب مثله، تأمل وجه الولد الصغير مليًا ليتساءل مع نفسه: ماذا لو أصابته أيام غيابه نوبة إغماء نتيجة لمرضه وهو لم يترك لدى أمه ما ترجع به المستشفى وتشتري به الدواء، وأطلت عليه ابنته الوحيدة وقد اعتلى محياها الحزن والوجوم فهي تخفي بيدها ورمًا بان في رقبتها لتضخم في الغدة الدرقية، وهي بحاجة الى عملية جراحية ولكنه لا يملك كلفة تلك العملية، وتذكر طفله الرضيع الراقد في المستشفى ولكنه منذ أيام وهو ينتظر أباه ليعود به الى البيت، وقف لدقائق يراجع نفسه ويخيرها بين رعاية أولاده الثلاثة المرضى وبين تلبية نداء الوطن الذي ينزف من جراحاته ويدعوه للدفاع عنه، أيهما أهم وأكثر إلحاحًا؟

وهنا سمع صوت زوجته الصابرة المؤمنة تقول مستنهضةً لعزيمته وإيمانه: "لا تقلق فللأطفال أمهاتُ ترعاهم ولا بد للوطن من رجال يُدافعون عنه".. تذكر إمامك الحسين (ع) هل ترك القتال ليبقى مع ولده العليل زين العابدين (ع) في خيمته؟ وهل تركه لأجل ريحانة فؤاده (فاطمة)؟ لقد ترك الإمام الحسين (ع) لمحبيه درسًا ما بعده من درس في هجرة الأهل والأحباب تلبية لنداء الواجب.

اذهب يا زوجي إلى الجبهة ولا يهمك ما يعانيه أطفالك من أمراض.. أين هي من أمراض أصابت ضمائر من ائتمنوا على أرض العراق وثرواته وشعبه فخانوا الأمانة وخذلوا الشعب؟.. اذهب وناصر إخوتك المقاتلين لتمنعوا الإرهابيين الأشرار من أن يدنسوا مقدساتنا وينتهكوا أعراضنا، إن جهودكم وتضحياتكم هي التي ترسم مستقبلنا بالعز والكرامة وتمنحنا الأمن والأمان وتوقف المجازر التي أزهقت فيها آلاف الأرواح البريئة ومنها أرواح مئات الأطفال ممن هم بأعمار أطفالك الثلاثة.

لقد سارع هذا البطل إلى ساحات القتال حتى نال بعد أيام من القتال الضاري مع عصابات داعش وسام الشرف والعزة والكرامة – وسام الشهادة – تاركًا وراءه زوجة مؤمنة صابرة وأطفالا ثلاثة مرضى مستخلفًا الله تعالى عليهم لتقر عينه بلقياهم في مقعد صدق عند مليك مقتدر..

إن هذه قصة شهيد من الشهداء الكرام تحمل أنباء معاني التضحية والإيثار والصبر والترفع عن الدنيا وزينتها، هو مواطن عادي لم يحصل في هذا الوطن ومن حكومته على الحد الأدنى من مستلزمات العيش الكريم.. لم يمنح حتى ما يوفر به العلاج لأولاده المرضى ولكن لمن يمنعه ذلك من تلبية نداء الدين والوطن، فترك زوجته وصبيته تحت رعاية الله تعالى ولطفه ومضى باذلا مهجته ليصون وطنه ومقدساته وأعراض مواطنيه..

وأضاف: إننا نستصغر أنفسنا ونشعر بالخجل أمام هذه النماذج الرائعة من العراقيين الذي بلغوا القمة في إيمانهم وإخلاصهم وتضحيتهم، ونقف لهم إجلالا وإعظامًا وهم أهلٌ ليكونوا قدوة وأسوة لنا جميعًا..

ولكن في المقابل – وللأسف – هنالك آخرون ما زالوا يلهثون وراء الامتيازات الدنيوية ويسعون إلى المزيد من المنافع المادية في حين كان المتوقع أن يكون فيهم – في الحد الأدنى – شبهُ بهؤلاء الكرام في العطاء والتضحية، ولكنهم أبوا أن يكونوا كذلك..

 

المصدر التوثيقي| موسوعة فتوى الدفاع الكفائي| الجزء 6 صفحة 123

مواضيع ذات صلة