المرجعية الدينية وقيادة كتائب المجاهدين لمجابهة البريطانيين (2)
#مؤسسة_الوافي_توثق
وفي هذه المعركة أصيب العقيد سليمان عسكري بيك بجروح نقل على إثرها إلى مستشفى في بغداد، وقام أحد رجال الدين السنة في بغداد زيارته للاطمئنان عن حاله، فقال له العقيد العثماني بخيبة أمل: "نحن نجلس هنا باسترخاء وراحة ونتلقى راتبًا حكوميًا كبيرًا في حين أن السيد الحيدري لا يزال على الخطوط الأمامية وهو شيخُ كبير ويرفض قبول أي مساعدة مالية من الحكومة".
كان تحرك المجاهدين من النخيلة ليلة 10 / 11 نيسان 1915م ووصولهم إلى البرجسية بعد الظهر وفي الصباح الباكر من يوم الاثنين 12 نيسان 1915م بدأ الهجوم على المواقع البريطانية بقوة من ثلاث اتجاهات إلا أن مدفعيتهم المتفوقة في العدد والعدة أسكتت مدفعية العثمانيين بعد خمس عشرة (15) دقيقة تقريبًا من بدء الهجوم، ولم يتمكن المهاجمون من التقرب من معسكر العدو أكثر من 900 مترًا، ولكن القتال كان مستمرًا طوال اليوم، وبذلك حشد البريطانيون قواتهم بعد الخسائر التي تكبدوها، وشنوا هجومًا قويًا على منطقة الشعيبة.
وفي القوت نفسه ضم سليمان عسكري بيك جيوشه إلى قوات المجاهدين التي يقودها السيد محمد سعيد الحبوبي رحمه الله الذي كان مؤلفًا من قرابة الخمسين ألف مجاهد على الخطوط الأمامية للجبهة، فقد وزع القائد العثماني العشائر على المحاور الثلاثة، وجعلهم تحت قيادة الزعماء الدينيين وشيوخ العشائر وبإمرة عدد من الضباط، وقد جعل عشائر بني لام، وعشائر الأحواز التي استجابت لدعوة الجهاد في المحور الأيسر، وجعل عشائر آلبو محمد والسواعد والسودان وآلبو دراج في المحور الأوسط أو المحور المركزي، بينما جعل عشائر المنتفق في المحور الأيمن وجعل العشائر الأخرى إلى يسارهم.
وكانت كتائب المجاهدين بقيادة الحبوبي لها حضور فاعل من قبل المعركة وخلالها، إذا أبدت تلك الكتائب بسالة مشهودة ومعها القوات النظامية العثمانية، وان القتال الذي جرى كان ضاريًا اضطر فيه الجانبان إلى الاقتتال بالسلاح الأبيض.
ويرى أحد المطلعين أن الأهداف العسكرية للمجاهدين وزعت على شكل حصون، يقوم عجمي باشا السعدون بالهجوم على الحصون الثلاثة الأولى الواقعة على الجناح الأيمن فيما تقوم القوات العثمانية النظامية بالهجوم على الحصون (الرابع والخامس والسادس)، أما الحصون (السابع والثامن والتاسع) فتقوم القوات التي كان يقودها السيد الحبوبي وعبدالله الفالح وخيون آل عبيد بالهجوم عليها، وهي على الجناح الأيسر، وكان عجمي وعبدالله قريبين من أهدافهما، لكن الجيش النظامي كان بعيدًا عن أهدافه، وعلى هذا الأساس تقدمت الجيوش نحو أهدافها المحددة في 12 نيسان 1915م، فتقدم عجمي باشا بقواته، ولكنه لم يصل إلى هدفه المرسوم؛ لأنه ظل الطريق بسبب تأثير المدفعية البريطانية التي حالت دون الوصول إلى هدفه.
وفي صباح اليوم الثاني، أي في يوم الثلاثاء 13 نيسان 1915م بدأ البريطانيون بالهجوم والتقوا بالعثمانيين والمجاهدين وجهًا لوجه بغية تطهير المرتفعات القريبة من المعسكر، وقد استشهد من العثمانيين والمجاهدين عددُ كبير، واستلم علي بيك أوراق معاون القائد سليمان عسكري وسلم المواقع المهمة للبريطانيين، إذ قرر سليمان عسكري، بعد هذا الحادث ان ينسحب من المعركة ليلة 13 / 14 إلا أن قائد الجناح الأيمن طلب تأجيل الانسحاب لغرض دفن الخسائر.
أما فيما يتعلق بقوات العشائر التي كان يقودها السيّد الحبوبي وعبد الله الفالح وخيون آل عبيد فقد تمكنت بسرعة من احتلال الحصون الموكلة بها، واستمرت بالقتال ما بين خمس إلى ست ساعات، وبينما لم يلمس البريطانيون أي هجوم على الحصون الباقية؛ لذلك وجهوا كل نيرانهم للدفاع عن الحصون (السابع والثامن والتاسع) وقاموا بهجوم واسع وكبير جدًا على التشكيلات التي كان يقودها عبدالله وأبادوها، وأسروا من أهالي الشطرة حوالي ثمانين مجاهدًا، فقد أكثر من مئتي مجاهد، وفي صباح اليوم الثاني للمعركة وصلت القوات النظامية إلى أهدافها واحتلتها، لكن القوات البريطانية تمكنت من الالتفاف حولها، فانسحب العثمانيون من مواقعهم بأعجوبة، فتقهقروا نحو أدغال البرجسية، فاغتنم البريطانيون الفرصة من انقطاع الطرق والمواصلات بالعثمانيين والمجاهدين، وغلب الإعياء والتعب عليهم على أثر العطش والجوع، فأتبعهم وناجزوهم إلى صباح يوم الأربعاء 14 نيسان 1915م مناجزة شديدة هزم في آخرها العثمانيون، وتركوا نصف ذلك الجيش بين قتيل وجريح وأسير ومفقود.
وتكبد المجاهدون خسائر بشرية منهم ثلاثة آلاف شهيد، نظرًا للضربات الضارية التي شنتها القوات البريطانية، وحين أدرك سليمان عسكري بيك خسارته للشعيبة، وعدم قدرته على استعادة البصرة، والعودة مهزومًا إلى السلطات العثمانية، قام بالانتحار.
وتصف أغلب المصادر التاريخية معركة الشعيبة بأنها معركة رهيبة كاد فيها المجاهدون من العلماء والعشائر والقوات العثمانية ان تحقق النصر على القوات البريطانية، ويصف لنا احد المؤرخين ظروف تلك المعركة على لسان السيد محسن الحكيم بالقول: "أنه لم يعرف الخوف في حياته إلا مرة واحدة هي في ذلك اليوم حين كانت القنابل تنفجر بين الخيام"، وهرب المجاهدون اذ أشيع بيهم ان القائد سليمان عسكري قتل هو وضباطه جميعًا، فانتشرت الفوضى بين العشائر واختل النظام، وقد ثبت السيد الحبوبي مع ثلة من صحبه فلم يهربوا مع الهاربين، ثم استقر رأيهم أخيرا أن يرسلوا السيد محسن الحكيم إلى خيمة القائد ليستوضح حقيقة الخبر، وحاول السيد محسن الحصول على فرس ليمتطيها فلم يتمكن من ذلك؛ لا كل واحد من المجاهدين كان محتاجا إلى فرسه للنجاة بنفسه من هول المعركة، فقدم إليه الشيخ رحيم الظالمي فمضى إلى خيمة القائد التركي وهو يسير بين الجثث القتلى والقذائف تتطاير انفجاراتها من حوله حتى وصل إلى خيمة القائد التركي فوجده مكبا على أوراقه، واتضح أن الإشاعة كانت غلطة أو خديعة أدت إلى الهزيمة.
وكانت معنويات الجيش العثماني مُنهارة، وحال المجاهدون سيئة غلب عليهم الإعياء والجوع والعطش، فانسحب العثمانيون نحو أدغال البرجسية بدون نظام، وأما الخسائر بالأرواح فقد بلغت عند البريطانيين (1.200) بين قتيل وجريح وأما خسائر العثمانيين والمجاهدين فقدرت بــ (6.000) بين قتيل وجريح.
وبعد هزيمة القوات العثمانية في الشعيبة خاطب الضابط التركي أحمد بك أوراق العرب الذي كانوا يقاتلون إلى جانب العثمانيين بقوله: "إنا لو فتحنا الشعيبة والبصرة يبقى علينا واجب ثان وهو فتح العراق، وخاصة الفرات أولا، وعشائر شط دجلة ثانيًا؛ لأنهم خونة". حدث ذلك والحرب لم تنته بعد، ولم يغادر العرب العراقيين جبهات القتال، وكانت لهزيمة الشعيبة تلك أسباب متعددة، ليس من بينها خيانة هؤلاء، والجدير بالذكر أن بدر الرميض شيخ بني مالك رد على كلام الضابط العثماني بقوله: "أنتم الخونة للإسلام، وتحزبكم ضد العرب كاف لمصداق قولي، وأنتم بعد هذا أولى بالحرب والقتال ممن نحارب، ولو لا فتوى علمائنا لما وجدتمونا في هذه الساحات التي نقاتل فيها".
وتوجد أسباب عديدة لفشل معركة الشعيبة من بينها:
- الخطة العسكرية التي وضعها القائد العثماني سليمان عسكري بيك، وهي تبدو بطبيعتها هجومية أكثر منها دفاعية.
- عدم إنصاف المسؤولين العثمانيين للعماء والرؤساء، لأنهم تعودوا أن يعاملوهم بقسوة.
- عدم تقديم الأرزاق إلى المجاهدين، فضلًا عن تعطيل القوى العسكرية في الخميسية.
- خيانة بعض رجال إسطنبول لحكومتهم وقبول الرشوة من الحلفاء.
لقد حطمت معركة الشعيبة كل الأمل المعقود على حملة جهاد كبيرة ومنظمة، ومع هذا فإن مدن الفرات ودجلة استجابت وتعاونت مع العثمانيين حتى بعد معركة الشعيبة، لكن على نطاق أصغر كثيرًا، فقد استخدمها العثمانيون لمضايقة تقدم البريطانيين بطريقة أكثر ملائمة لقدراتها.
المصدر التوثيقي، موسوعة فتوى الدفاع الكفائي، الجزء 3 ص 44






