البحث المتقدم

البحث المتقدم

٢٨ شوال ١٤٤٧

يبدأ بنكتة وينتهي بحبل مشنقة.. وثيقة اعدام من زمن النظام البائد

 

#مؤسسة_الوافي_توثق

من أرشيف الخوف، لا تبدو كل الجرائم كبيرة، بعضها يبدأ بنكتة، وينتهي بحبل مشنقة.

في شتاء عام 1985، كانت سعاد كاظم امرأة بسيطة، لا تحمل سلاحاً، ولا تنتمي إلى تنظيم، ولا تخطط لتمرّد. فقط كانت تجلس بين أشخاص عاديين، وفي لحظة عابرة من التعب اليومي، حين مرّت نكتة سياسية على مسامعها… ضحكت، وربما أعادت سردها، كما يفعل الناس حين يهربون من ثقل الواقع بابتسامة صغيرة.

    لكن في زمن الخوف، لم تكن النكتة بريئة لذا وصلت الكلمات إلى آذان لا تعرف الضحك، آذان اعتادت أن تحوّل الهمس إلى تهمة، والابتسامة إلى جريمة.

    وفي 7 كانون الأول 1985، أُغلقت الأبواب خلف سعاد، لا لأنها أجرمت، بل لأنها تجرأت على الضحك في وقت كان الصمت فيه قانوناً.

 

في غرفة التحقيق، لم تكن سعاد تحاول الدفاع عن فكرة، بل عن نفسها. اعترفت… ليس لأنها مذنبة، بل لأن الاعتراف في تلك الأيام كان الطريق الوحيد لتقليل الألم، أو ربما لتأجيله.

      قالت إنها سمعت النكتة من (جاسم سلمان)، وكأنها تبحث عن مخرج، أو تحاول أن تقنعهم أن الكلمات لا تُخلق من العدم.

أُحيلت إلى محكمة الثورة، تلك المحكمة التي لم تكن تعرف سوى حكماً واحداً حين يتعلق الأمر بالخوف: الإعدام.

      وفي 22 أيار 1986، صدر القرار… كلمات باردة كُتبت على ورق رسمي، لكنها كانت كفيلة بإنهاء حياة إنسانة: الإعدام شنقاً حتى الموت.

      لم يذكر الحكم ضحكتها، ولا خوفها، ولا ارتجاف صوتها وهي تكرر ما قيل.

  لم يذكر أنها لم تحمل سوى كلمات، ولم ترتكب سوى خطيئة السخرية.

      صادروا أموالها… وكأنهم يخشون حتى من بقاياها في تلك اللحظة، لم تُعدم سعاد كاظم وحدها، بل أُعدم معها شيء أكبر… أُعدم صوت الناس البسطاء، أُعدم حقهم في التعبير، أُعدم ذلك الجزء الإنساني الذي يلجأ إلى النكتة حين تضيق الحياة.

     بقيت قصتها شاهداً على زمنٍ كان فيه الحبل أقرب من العدالة، وكانت الكلمة أخطر من الرصاص.

ولعل السؤال الذي ما زال معلقاً: كم من (سعاد) أخرى صمتت… كي لا تُشنق؟

 

مواضيع ذات صلة