باب المرجعية
وعلى الرغم من أن حملات التسفير الفاشية طالت أناسًا آخرين من خارج الوسط الحوزي وفي مدن كربلاء المقدسة والكاظمية وبغداد والحلة والناصرية، لكن من الواضح أن المستهدف من التسفير هم طلاب الحوزة العلمية بالدرجة الأساس، والإيرانيون منهم على نحو الخصوص، مع بعض الجنسيات الأخرى، لتحجيم الحوزة كمًا ونوعًا، ولإظهار الاستهانة بالقيمة الروحية والعلمية والاجتماعية لكيانها، وتشويه سمعتها لدوافع طائفية وسياسية واستكباريه. فقد تعرض من بقي من الأجانب الدارسين في الحوزة العلمية للمضايقة وتحديد مدة الإقامة وعدم تجديدها لكثير منهم، فضلًا عن الحد من أعداد الطلبة القادمين للدراسة في الحوزة، في الوقت الذي تعرض فيه الكثير من الطلاب العراقيين إلى المطاردة والمراقبة، وزُج بهم في المعتقدات بدعوى انتمائهم الى أحزاب دينية محظورة، كحزب الدعوة الإسلامية. وهكذا أسهمت هذه الأمور في خلق جو من الرعب والضغط النفسي دفع كثيرًا من طلبة الحوزة العلمية وأساتذتها إلى الهجرة.
وعلى الرغم من كل تلك المآسي التي مرت بها المرجعية المجاهدة، لكن يمكن القول ان السنوات الأكثر مرارة لم تأت بعد، فقد استمرت الحملة على رجال الدين، لا سيما في النجف الاشرف وكربلاء المقدسة، وتم انتزاع اعترافات مفبركة من بعض السياسيين بشأن تعاون الحوزيين معهم في التجسس لحساب إيران أو إسرائيل أو الولايات المتحدة. وصدرت أوامر جديدة باعتقال أساتذة الحوزة العلمية وطلابها بتهمة التبعية الإيرانية أو الانتماء إلى حزب الدعوة الإسلامية، أو بذريعة أنهم يشكلون خطرًا على أمن الدولة، فتم سجن الآلاف منهم، وترحيل آخرين خارج العراق من جنسيات شتى، بعد سلب أموالهم والاستيلاء على بيوتهم. وقامت السلطات بإلغاء إجازة الجمعية المؤسسة لجامعة الكوفة الأهلية عام 1974م وصادرت أموالها المنقولة وغير المنقولة، وبذلك يمكن القول إن النفس الطائفي المقيت فعل فعله بالقضاء على محاولة تأسيس أول جامعة أكاديمية في الفرات الأوسط.
كانت السلطة البعثية في حالة شك مريبة حول علاقة حزب الدعوة بالمرجعية الدينية، وأدركت أخيرًا أن المرجعية العليا للسيد الخوئي بعيدة عن التنظيم، فشنت حملة قادتها مديريات الأمن في العراق لا سيما في النجف الأشرف أدت الى اعتقال المئات من العلماء وطلاب الحوزة وتعذيبهم والحصول على اعترافات منهم تفيد باكتشاف بعض الخطوط التنظيمية المرتبطة بالسيد الشهيد محمد باقر الصدر، وبعثت السلطة أحد عملائها ليخبر السيد الصدر أنها تنوي عدم التساهل معه، لو أنه حاول القيام بأعمال ضدها، وأن نهايته ستكون حتمية في أول اعتقال يقع له. وشنت السلطات حملة اعتقالات واسعة جديدة في صفوف المقربين للمرجعية، لا سيما أتباع السيد الشهيد المجهد محمد باقر الصدر، وعرضتهم الى تعذيب دموي في السجون، وازدادت حملة الاعتقالات الوحشية ضدهم وضد غيرهم عام 1972م وما بعده لتشمل طلبة العلوم الدينية والمهندسين والأطباء وطلاب الجامعات وباقي فئات المجتمع، تم وفرض إجراءات منع السفر بحق الكثيرين، وأُعتقل السيد الصدر أكثر من مرة.
وإلى جانب الحس الثوري والجهادي الذي كان يتمتع به السيد الشهيد محمد باقر الصدر ... يتبع
المصدر موسوعة فتوى الدفاع الكفائي الجزء 3 ص 247







