البحث المتقدم

البحث المتقدم

٢٨ رجب ١٤٤٧

حركة الشرح والتفسير لنهج البلاغة: دراسة بيبليوغرافيّة تحليليّة موجزة في ضوء التراثين الشيعي والسني (من القرن الخامس إلى القرن الرابع عشر الهجري)

 

مقدمة

 

الحمد لله الذي جعل الحكمة مآلًا للعقول، والبلاغة تبيانًا للقلوب، والصلاة والسلام على من أُوتي جوامع الكلم، وعلى آله الطيبين الطاهرين الذين ورثوا منه البيان وسقوا الأمة من معارف القرآن.

 

     يُعدُّ كتاب "نهج البلاغة" الذي نضّد جواهره الشريف الرضي (ت 406 هـ) مما أُثر عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ظاهرةً فريدة في تاريخ الفكر الإنساني والمدونة التراثية الإسلامية. فهو ليس مجرد جَمْعٍ لخطبٍ منبرية أو رسائل سلطانية، بل هو نصٌّ مِفصلي يقف في منزلةٍ سامية؛ وُصفت بأنها "دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوق"، ومنذ اللحظة التي خرج فيها هذا السِّفر إلى الوجود، استحال قِبْلةً للعلماء، وميدانًا لتسابق الأقلام، ومادةً خصبة لاستنباط مناهج الحياة ومبادئ الحكم ومعارج السلوك.

 

    إنَّ حركة الشرح والتفسير لنهج البلاغة لم تكن ترفًا فكريًا أو اجترارًا لغويًا، بل كانت ضرورةً معرفية أملاها النصُّ العلوي بطبيعته المكثفة، ورموزه العميقة، وطبقاته المعنوية المتعددة، فقد تضافرت جهود الأمة بشتى مشاربها ومذاهبها وجغرافيتها على سبر أغوار هذا الكتاب؛ فنجد الفقيه يستنبط منه الأحكام، والمتكلم يستدل به على أصول العقيدة، والفيلسوف يجد فيه غاية الحكمة، واللغوي يرى فيه منتهى الفصاحة، وهذا التنوع المنهجي هو ما أثرى مكتبة النهج بمئات المصنفات التي تجاوزت الحدود المذهبية، لتجمع بين دفتيها أقلامًا من مدرسة العترة الطاهرة (عليهم آلاف التحية والثناء) وأقلامًا من كبار أعلام أهل السنة والجماعة، في وحدةٍ فكرية قلَّ نظيرها في كتب التراث.

 

     وتكتسب هذه الدراسة الموجزة أهميتها من خلال تتبعها لهذه الحركة العلمية الضخمة، حيث نرصد فيها مئات الشروح التي امتدت من القرن الخامس الهجري، مع معاصري الشريف الرضي كالسيد علي بن الناصر في "أعلام النهج"، وصولًا إلى العصور المتأخرة والحديثة، ولا يقف هذا البحث عند سرد الأسماء، بل يغوص في أقدمية هذه الشروح وأصالتها، محاولًا الكشف عن التطور التاريخي للمناهج التفسيرية؛ ابتداءً من الشروح اللغوية والتعليقات المقتضبة، مرورًا بالشروح الموسوعية الكبرى كشرح ابن أبي الحديد المعتزلي وشرح ابن ميثم البحراني، وصولًا إلى الشروح الموضوعية التي ركزت على عهود الإمام ووصاياه بوصفها دساتير لإصلاح الرعية وتنظيم شؤون الدولة.

 

    إنَّ هذا التراكم المعرفي الذي نضعه بين يدي القارئ الكريم، يثبت بالدليل القاطع أن "نهج البلاغة" نصٌّ عالمي عابر للغات؛ حيث نجد الشرح الفارسي يزاحم العربي، والترجمات الأردوية والهندية تعبر عن حاجة الوجدان المسلم في كل بقاع الأرض للاغتراف من هذا المعين، ومن هنا، تأتي هذه الدراسة الموجزة لتقدم استقراءً بيبليوغرافيًا وتحليليًا شاملًا، يهدف إلى إبراز القيمة الأكاديمية لهذه الشروح، وكيف أسهمت في تشكيل العقل الإسلامي ورفده بمنظومةٍ أخلاقية وسياسية وأدبية لا تزال قادرة على العطاء حتى في عصرنا الحديث، وهذا ما يمكن تناوله عبر الآتي:

 

أولًا: عراقة الشرح (الأقدم والأسْبق تاريخيًا)

 

     عند تتبع التسلسل التاريخي للشروح التي تفضلت بذكرها، نجد أن التنافس العلمي على تفسير "النهج" بدأ منذ اللحظات الأولى لتدوينه، ويمكن تقسيم الأقدمية وفق الآتي:

 

1.    المؤسس الأول: يعد الشريف الرضي (ت 406 هـ) نفسه هو الشارح الأول من خلال تعليقاته الممزوجة بالنصوص، حيث كان يوضح بعض الغريب ويبين وجوه البلاغة.

 

2.    الأقدمية التاريخية (القرن الخامس والـسادس):

 

أ‌-     أعلام نهج البلاغة للسيد علي بن الناصر: وهو من أقدم وأتقن الشروح، كونه عاصر الشريف الرضي، مما يجعله الأقرب إلى منبع النص.

 

ب‌- معارج نهج البلاغة لابن فندق البيهقي (ت 565 هـ): فرغ منه سنة 552 هـ، ويعد ركيزة أساسية لمن جاء بعده.

 

ت‌- منهاج البراعة للقطب الراوندي (ت 573 هـ): فرغ منه سنة 556 هـ، وهو العمدة الذي نقل عنه ابن أبي الحديد كثيرًا.

 

ث‌- حدائق الحقايق لقطب الدين الكيدري (ألفه سنة 573 هـ): من الشروح المتينة التي اعتنت بدقائق اللغة والحكمة.

 

3.    الأقدمية من جانب أهل السنة:

 

أ‌-     شرح الإمام فخر الدين الرازي (ت 606 هـ): رغم أنه لم يتمه، إلا أنه يمثل دخول الفكر الكلامي والفلسفي في شرح النهج.

 

ب‌- شرح ابن أبي الحديد المعتزلي (ت 656 هـ): وهو الأشهر على الإطلاق، حيث جمع فيه التاريخ، والأدب، وعلم الكلام، والسير، وصار مرجعًا لا يستغني عنه شيعي ولا سني.

 

ثانيًا: مدرسة الشرح الإمامي (تنوع المناهج واللغات)

 

    اتسمت شروح الإمامية بالتعدد المنهجي، ويمكن تصنيفها إلى مسارات عدة:

 

1-  الشروح الموسوعية والجامعة

 

     يبرز هنا كمال الدين ميثم البحراني (ت 679 هـ) في كتابه "مصباح السالكين"، حيث صبغ الشرح بالصبغة الحكيمة والعرفانية، ممهدًا الطريق لظهور شروح متأخرة بالغة الأهمية مثل "منهاج البراعة" للسيد حبيب الله الخوئي (ت 1324 هـ)، والذي يعد من أضخم الشروح الحديثة التي اعتنت بالجانب الروائي والتحليلي.

 

2-   الشروح السياسية والتربوية (عهد مالك الأشتر)

 

حظي عهد أمير المؤمنين لمالك الأشتر بنصيب الأسد من الشروح المنفردة، مما يعكس القيمة الدستورية لهذا النص:

 

أ‌-     شرح العلامة المجلسي (ت 1110 هـ) باللغة الفارسية.

 

ب‌- شرح القاضي يوسف الشيرازي (ت 922 هـ).

 

ت‌- شرح توفيق الفكيكي في كتابه "الراعي والرعية" بصبغته القانونية الحديثة.

 

3-   الشروح الروحية (خطبة همام والشقشقية)

 

     ركز العلماء على "خطبة المتقين" (همام) لما فيها من عمق سلوكي، مثل شرح الميرزا إبراهيم الدنبلي الخوئي، وشرح الميرزا أبو القاسم الاصطهباناتي، أما "الخطبة الشقشقية" فقد نالت عناية خاصة لكونها تتناول حقبة تاريخية حساسة، كما في شرح الشريف المرتضى (ت 436 هـ).

 

ثالثًا: شروح أهل السنة (الجسر المعرفي)

 

    تثبت هذه الشروح أن "نهج البلاغة" كان مادة للوحدة الفكرية، حيث نجد:

 

1-    الشيخ محمد عبده (ت 1323 هـ): الذي أحيا النهج في العصر الحديث بتعليقاته اللغوية التي انتشرت في الآفاق، وكسرت حواجز العزلة عن الكتاب في الأوساط الأكاديمية العربية.

 

2-    سعد الدين التفتازاني (ت 792 هـ): وهو من كبار علماء الكلام واللغة، مما يضفي صبغة علمية رصينة على تناوله للنص.

 

3-    محمد محيي الدين عبد الحميد: الذي أكمل عمل الشيخ محمد عبده، مما جعل الكتاب ميسرًا لطلاب العلم في الجامعات.

 

رابعًا: البعد الجغرافي واللغوي (فارس، الهند، العراق)

 

يظهر من هذه الشروح تنوع جغرافي هائل:

 

1-    اللغة الفارسية: هي اللغة الثانية الأبرز في الشروح (شرح المولى صالح القزويني، الميرزا باقر النواب)، مما يدل على تغلغل النهج في الوجدان الإيراني.

 

2-    شبه القارة الهندية: نجد شروحًا باللغة الأردوية (السيد أولاد حسن، السيد ظفر مهدي) وحتى اللغة الكبحراتية (غلام علي البهاونكري)، مما يعكس عالمية الخطاب العلوي.

 

3-    الحوزات العلمية (النجف، كربلاء، أصفهان): التي أنتجت شروحًا تعليقية دقيقة مثل شرح الآخوند الخراساني والسيد هبة الدين الشهرستاني.

 

الخاتمة

 

    إن بقاء نهج البلاغة حيًا في أروقة الحوزات العلمية والجامعات الأكاديمية عبر عشرة قرون، هو برهان ساطع على أن هذا الكتاب يمتلك قوة ذاتية مستمدة من منبع الوحي، تمنح الباحثين في كل جيل مادة خصبة للاستنباط والاستقراء، وتفتح آفاقًا لا تنتهي أمام العقل المسلم المعاصر لاستعادة بوصلة الفصاحة والحكمة، وفي ختام هذا الجرد البيبليوغرافى والتحليل الزمني الموجز لحركة الشرح والتعليق على كتاب "نهج البلاغة"، نخلص إلى مجموعة من النتائج والاستنتاجات المركزية التي تضع هذا الأثر في مكانه الطبيعي كأحد أعمدة الفكر الإنساني والإسلامي، وقد جاءت على النحو الآتي:

 

1-   أثبتت الدراسة التاريخية للشروح أن "نهج البلاغة" لم يكن نصًا فئويًا، بل شكّل نقطة التقاء معرفية كبرى. فتواجد شروح لأعلام من مدرسة الصحابة (أهل السنة) جنبًا إلى جنب مع شروح مدرسة العترة (الإمامية)، يؤكد أن البلاغة العلوية كانت لغة جامعة استوعبت التنوع العقدي ووحدته تحت مظلة الفصاحة والحكمة الإلهية.

 

2-  نستنتج أن حركة الشرح لم تكن تكرارًا، بل كانت تراكمًا تطوريًا بدأت بالشرح اللغوي (الشريف الرضي، ابن الناصر)، ثم انتقلت إلى الشرح الكلامي والتاريخي (ابن أبي الحديد)، وصولًا إلى الشرح الحكيم والعرفاني (ابن ميثم البحراني)، وانتهاءً بالشروح التي تعتني بعلوم الاجتماع والسياسة في العصور المتأخرة، مما يجعل النهج نصًا متجددًا يمنح كل عصرٍ أدواته المعرفية.

 

3-  إن كثرة الشروح والترجمات إلى الفارسية، والأردوية، والكبحراتية، وغيرها، تعكس عولمة هذا الفكر. فلم يحدّ اللسان العربي من انتشار النص، بل استحال النهج دستورًا سلوكيًا للشعوب الإسلامية غير العربية، لاسيما في عهد أمام المتقين (عليه السلام) لمالك الأشتر، الذي تحول إلى مادة قانونية تدرس في كليات الحقوق والسياسة.

 

4-  يظهر من خلال التركيز الكثيف للعلماء والفقهاء على شرح عهد مالك الأشتر ووصية الإمام للحسن (عليه السلام)، أن العقل الإسلامي وجد في نهج البلاغة حلًا لإشكاليات الحكم والسياسة والتربية الأخلاقية، مما جعل الشرح هنا يتجاوز الترف الفكري ليصبح تأصيلًا شرعيًا لبناء الدولة والمجتمع.

 

قائمة المصادر والمراجع

 

أعيان الشيعة: السيد محسن الأمين العاملي؛ تحقيق: حسن الأمين، دار التعارف، بيروت.

أمل الآمل في علماء جبل عامل: الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي؛ تحقيق: السيد أحمد الحسيني، مطبعة الآداب، النجف الأشرف.

الذريعة إلى تصانيف الشيعة: الشيخ آغا بزرگ الطهراني؛ دار الأضواء، بيروت.

رياض العلماء وحياض الفضلاء: الميرزا عبد الله الأفندي الأصبهاني؛ تحقيق: السيد أحمد الحسيني، مطبعة الخيام، قم.

سير أعلام النبلاء: الإمام شمس الدين الذهبي؛ مؤسسة الرسالة، بيروت.

الغدير في الكتاب والسنة والأدب: العلامة عبد الحسين الأميني؛ دار الكتاب العربي، بيروت.

فهرس المخطوطات العربية في مكتبة الآستانة الرضوية: مجموعة من المحققين، مشهد، إيران.

كتابشناسى نهج البلاغة (ببليوغرافيا نهج البلاغة): الشيخ رضا أستادي؛ منشورات مؤسسة نهج البلاغة، طهران.

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون: مصطفى بن عبد الله الشهير بـ "حاجي خليفة"؛ دار إحياء التراث العربي، بيروت.

مصادر نهج البلاغة وأسانيده: السيد عبد الزهراء الخطيب؛ دار الأضواء، بيروت.

معجم المؤلفين: عمر رضا كحالة؛ دار إحياء التراث العربي، بيروت.

نهج البلاغة چيست؟ (ما هو نهج البلاغة): السيد جواد المصطفوي؛ مطبعة جامعة مشهد.

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان: ابن خلكان؛ تحقيق: إحسان عباس، دار صادر، بيروت.

شروح نهج البلاغة210 شروح: الشيخ حسين جمعة العاملي، مطبعة وزنكوغراف الفكر.

مواضيع ذات صلة