البحث المتقدم

البحث المتقدم

٢٨ رجب ١٤٤٧

الأسس الأخلاقيّة والتربويّة في أحاديث الإمام الحسن العسكري (عليه السلام): في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) التربويّة وأثرها في الفرد المعاصر (2)

     هذا "الامتطاء لليل" ليس مجرد أداء لفرائض، بل هو رحلة روحية مستمرة، يتزود فيها الإنسان بالتقوى والطمأنينة، ويُغذي فيها روحه، مما يُؤثر إيجابًا على سلوكه وأخلاقه في النهار، ويُمكنه من مواجهة تحديات الحياة بيقين وصبر. هكذا تُصبح ساعات الليل الهادئة وقودًا للطاقة الروحية، تُمهد الطريق نحو القرب من الله عز وجل.

 

2-    بناء العلاقة مع الله تعالى (الإنس بالله، الاسم الأعظم).

 

قال الإمام الحسن العسكري(عليه السلام):" بِسْمِ اللّهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ أَقْرَبُ إِلَى اسْمِ اللّهِ الاْعْظَمِ مِنْ سَوادِ الْعَيْنِ إِلى بَياضِها".[17]

 

      يُبين هذا الحديث الشريف مدى قرب "بسم الله الرحمن الرحيم" من الاسم الأعظم لله تعالى. هذا القرب الشديد يُشبه بقرب سواد العين من بياضها، وهي دلالة على الملازمة وعدم الانفكاك. يُشير هذا التوجيه إلى عظم بركة هذه العبارة وأهميتها في استجلاب العون الإلهي والتوفيق الرباني، ويُشجع المؤمن على البدء بها في كل أموره. إنه يُعلمنا أن الاسم الأعظم ليس بالضرورة كلمة سحرية، بل هو قوة تتجلى في جوهر الذكر والتوجه إلى الله بأسمائه الحسنى، مما يُعزز من إيمان العبد وروحانيته.

 

     في ضوء الحديث الشريف للإمام الحسن العسكري (عليه السلام): "بِسْمِ اللّهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ أَقْرَبُ إِلَى اسْمِ اللّهِ الاْعْظَمِ مِنْ سَوادِ الْعَيْنِ إِلى بَياضِها"، يمكننا استخلاص تطبيق عملي يُبرز هذه القربى العظيمة والقوة الكامنة في البسملة، وذلك من خلال:

 

مثال عملي وتطبيقي:

 

     لنتصور باحثًا يُواجه مشروعًا علميًا معقدًا، تتطلب إنجازه تركيزًا شديدًا، وصبرًا عظيمًا، وتجاوزًا لعقبات معرفية ومنهجية قد تبدو مستعصية.

 

     إذا شرع هذا الباحث في عمله بمعزلٍ عن التوجه الروحي، معتمدًا فقط على قدراته الذهنية والبشرية، فقد يجد نفسه غارقًا في تحديات البحث، يُعاني من التشتت، وتُصيبه الحيرة عند مواجهة المسائل الشائكة، وقد تتراكم لديه مشاعر الإرهاق أو اليأس عند انسداد الآفاق.

 

     أما إذا استهل هذا الباحث كل خطوة في مشروعه بقول: "بِسْمِ اللّهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ"، مُستشعرًا معنى هذه الكلمات ومُتوجهًا بقلبه إلى القدرة الإلهية المطلقة، فإن هذا الفعل يُحدث تحولًا عميقًا في تجربته. فالبسملة هنا لا تكون مجرد تلفظ باللسان، بل هي استمداد للقوة، واستحضار للعون الرباني. يجد الباحث نفسه مُحاطًا بسكينة داخلية، وتتفتح له آفاق جديدة لحل المشكلات التي كانت تبدو مستحيلة، وتتضح له الروابط بين الأفكار المعقدة. إنها تُنير بصيرته، وتُقوي عزيمته، وتُبارك في وقته وجهده، فيُصبح كمن يُسخِّر قوى أكبر من ذاته البشرية، مما يُسهل عليه تجاوز الصعوبات ويُحقق له إنجازًا يفوق توقعاته المعتادة. هذا القرب من "الاسم الأعظم" يُترجم إلى بركةٍ وتوفيقٍ في الفعل، وانسداد لأبواب العسر، وانفتاح لبصائر لم تكن لتُدرك لولا هذا الاستمداد الإلهي، فيتحول العمل العلمي الشاق إلى مسيرة مُباركة مكللة بالتيسير والنجاح، لأن كل جهد بشري يُصبح مُتصلًا بمعينٍ لا ينضب من القدرة الإلهية.

 

قال الإمام الحسن العسكري (عليه السلام):" مَنْ آنـَسَ بِاللّهِ إِسْتَوْحَشَ مِنَ النّاسِ". [18]

 

      هذا الحديث يُقدم معادلة تربوية عميقة: كلما زاد إنس الإنسان بالله تعالى وقربه منه، كلما شعر بالغربة عن الناس الذين لا يشاركونه هذا الأنس. "الاستيحاش من الناس" لا يعني العزلة المطلقة عن المجتمع، بل هو استيحاش من مجالس البطالين واللهو والغفلة والجدال. إن هذا الحديث يُشير إلى تحول في أولويات النفس والفكر والروح، حيث يصبح الإقبال على الخالق مقدمًا على الانشغال بالخلق فيما لا يُرضي الله تعالى، مما يُثمر روحًا مطمئنةً تُفضل خلوة العبادة على صخب الدنيا.

 

       في مجتمعٍ يَتسابق فيه الكثيرون على الظهور الاجتماعي، واكتساب المدح والثناء، وتَتبُّع أحدث صيحات الموضة أو التوجهات الرائجة بغض النظر عن مدى توافقها مع المبادئ الأخلاقية والدينية، يجد شخصٌ قد ذاق حلاوة القرب من الله تعالى والاتصال العميق به، نفسَه مدفوعًا إلى سلوكٍ مختلف. هذا الشخص، الذي أضاء قلبه بنور المعرفة الإلهية وسكنت روحَه طمأنينة الذكر والعبادة، لا يُبالي كثيرًا بالانبهار الخارجي أو البحث عن رضا الناس فيما يُخالف رضا خالقه.

 

      على سبيل المثال، قد يُعرض عليه منصبٌ مرموق أو فرصةٌ اجتماعية تُشترط فيها التنازل عن بعض قيمه، أو المشاركة في فعاليات تُخالطها الغفلة والابتعاد عن ذكر الله تعالى، وهو يعلم أن قبولها سيُرضي فئةً كبيرة من الناس ويُكسبه مكانةً في عيونهم. لكن، لما كان أنسه الحقيقي بالله تعالى، استوحش من تلك البيئات والسلوكيات التي تُبعده عن ذكر ربه وتُكدر صفاء روحه. فيختار الابتعاد عن تلك الأجواء، أو رفض تلك الفرص، لا عن عُزلةٍ سلبيةٍ أو كراهيةٍ للناس، بل عن اختيارٍ واعٍ للرفقة والمسار الذي يُقرّبه من الحق. قد يُنظر إليه على أنه غريب الأطوار، أو غير اجتماعي، أو حتى مُتعالٍ من قِبل أولئك الذين يقيسون النجاح بمقاييس دنيوية بحتة، وهذا هو "الوحشة من الناس" التي يشير إليها الحديث: وحشةٌ عن مسالكهم المادية وغفلتهم، وليست وحشةً عن إقامة الحق والتواصل الإيجابي مع الخلق بما يُرضي الله تعالى. هو يجد سعادته وطمأنينته في خلوته مع خالقه، وفي التزامه بالحق، حتى لو أدت به هذه الطمأنينة إلى الشعور بالغربة عن الأجواء التي يطلبها عامة الناس.

 

المبحث الخامس: الأبعاد المجتمعية والدور المهدوي في وصايا الإمام (عليه السلام)

 

1-    بناء المجتمع الصالح (زينة أهل البيت، حسن الجوار، حب الأبرار).

 

قال الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) :" حُبُّ الابرارِ لِلابرارِ ثَوابٌ لِلابرارِ، وَحُبُّ الْفُجّارِ لِلابْرارِ فَضيلَةٌ لِلابْرارِ، وَبُغْضُ الْفُجّارِ لِلابْرارِ زَيْنٌ لِلابْرارِ، وَبُغْضُ الابْرارِ لِلْفُجّارِ خِزْيٌ عَلَى الْفُجّار".[19]

 

      يُحلل الإمام (عليه السلام) العلاقات الإنسانية على أساس الحب والبغض في الله تعالى، مُبينًا ثمرتها. فحب الأبرار لبعضهم هو تثبيت لهم على الخير ومكافأة. أما حب الفجار للأبرار فهو فضيلة تُحسب للأبرار؛ لأنها تُظهر تأثيرهم الإيجابي حتى على من هم ليسوا مثلهم. الأهم هو أن بغض الفجار للأبرار يُعد "زينًا" للأبرار؛ علامة على تميزهم واستقامتهم، بينما بغض الأبرار للفجار هو "خزي" على الفجار، لأنه يُظهر فسادهم وشقاءهم. هذا الحديث يُرسّخ مبدأ الولاء والبراء في سبيل الله تعالى، ويُقدم معيارًا لتمييز الحق من الباطل في العلاقات الاجتماعية.

 

    هذا الحديث الشريف من الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) يُقدم قاعدة تربوية واجتماعية عميقة، ويُمكن استخلاص تطبيقات عملية وتفسيرات عملية له في سياقنا المعاصر.

 

لنحلل الحديث أولًا:

 

1-  "حُبُّ الأبرارِ لِلأبرارِ ثَوابٌ لِلأبرارِ": طبيعي أن يحب الأخيارُ الأخيارَ، وهذا يُعزز التماسك بينهم ويزيدهم أجرًا وثوابًا لكونهم يُحبون في الله ويُؤلفون القلوب الصالحة.

 

2-  "وَحُبُّ الْفُجّارِ لِلأبرارِ فَضيلَةٌ لِلأبرارِ": هذه نقطة دقيقة جدًا. عندما يُحب الفجار (أصحاب السلوك المنحرف أو غير الصالح) الأبرار (الأخيار)، فهذا ليس بالضرورة ثناءً على الفجار، بل هو فضيلة للأبرار؛ لأن صلاح الأبرار وسلوكهم القويم كان له من الأثر ما جعل حتى المنحرفين ينجذبون إليهم أو يُحبونهم، وهذا دليل على حسن سيرة الأبرار وقوة تأثيرهم الإيجابي، وقد يكون مدخلًا لهداية الفجار.

 

3-  "وَبُغْضُ الْفُجّارِ لِلأبرارِ زَيْنٌ لِلأبرارِ": عندما يكره الفجارُ الأبرارَ، فهذا دليل على استقامة الأبرار وبُعدهم عن مسالك الفجار. إن كراهية المنحرفين للإنسان الصالح هي بمثابة شهادة لصلاحه وتمسكه بالحق، لأنهم يرون فيه ما يُباين انحرافهم، وهذا ما يُزَيّن الأبرار ويُميزهم.

 

4-  "وَبُغْضُ الأبرارِ لِلْفُجّارِ خِزْيٌ عَلَى الْفُجّار": هذا واضح، فالأبرار بطبيعتهم يكرهون الشر والفساد وأهله، وهذا البغض هو عيب ونقص في الفجار أنفسهم، يُلقي عليهم الخزي والعار لكونهم من أهل الفجور.

 

مثال عملي وتطبيقي للحديث الشريف في العصر الراهن:

 

     فلنتخيل عالمًا اجتماعيًا مصلحًا (يُمثل "الأبرار" في هذا السياق، بمعنى الساعين للخير والصلاح العام) يعمل على مكافحة الفساد في إحدى المؤسسات الحكومية أو الشركات (حيث يُمكن أن يُشكل بعض العاملين الفاسدين "الفجار").

 

1.    "حُبُّ الأبرارِ لِلأبرارِ ثَوابٌ لِلأبرارِ":

 

o        المثال: عندما يرى هذا العالم الاجتماعي المصلح زملاءه الآخرين، ممن يُعرفون بنزاهتهم وإخلاصهم في العمل، يُقدمون الدعم له ويثنون على جهوده في مكافحة الفساد، فإن هذا يُعزز لديه الشعور بالثواب الداخلي والتأييد المعنوي. هذا الحب المتبادل بين النزهاء يُقوي شوكتهم ويُضاعف من إصرارهم على المضي قدمًا في طريق الإصلاح، لأنه يُشعرهم بأنهم ليسوا وحدهم في هذه المعركة الشريفة، مما يُثمر عن المزيد من الجهد والعطاء في سبيل الحق.

2.    "وَحُبُّ الْفُجّارِ لِلأبرارِ فَضيلَةٌ لِلأبرارِ":

o        المثال: قد يُصادف العالم المصلح أن بعض الأشخاص الذين يُعرف عنهم التورط في فساد بسيط أو تواطؤ غير مباشر (الفجار)، يُظهرون له نوعًا من الإعجاب أو الاحترام، أو حتى قد يُحاولون التقرب منه وتقديم المجاملات له. هذا ليس بالضرورة حبًا صافيًا منهم للخير، بل هو "فضيلة" للمصلح (البارّ)؛ لأن نزاهته وتأثيره الإيجابي أصبحا يفرضان احترامًا حتى على نفوس الفاسدين. قد يكون هذا دافعًا لبعض الفاسدين لإعادة التفكير في سلوكهم، أو على الأقل، يجعلهم يُحجمون عن إيذائه علانيةً خوفًا من الرأي العام أو تأثرًا بنزاهته، وقد يُساهم هذا في فتح باب للهداية أو التخفيف من حدة الفساد.

3.    "وَبُغْضُ الْفُجّارِ لِلأبرارِ زَيْنٌ لِلأبرارِ":

o        المثال: عندما يبدأ أقطاب الفساد (الفجار) في المؤسسة بالانتقاد العلني للمصلح الإجتماعي، أو يُحاولون تشويه سمعته، أو يشنون حملات ضده في الخفاء، فهذا في حقيقته "زَيْنٌ" للعالم الإجتماعي. لماذا؟ لأن هذه الكراهية دليلٌ على أن هذا المصلح قد أوجعهم في مواقع فسادهم، وأن نهجه النزيه يُشكل تهديدًا لمصالحهم غير المشروعة. فكره الفاسدين للمصلح هو مؤشر واضح على صلاح المصلح وفاعليته في محاربة الشر، وهو يُؤكد للآخرين نزاهته ويُبرز تمسكه بالحق، فيُزيده شرفًا في أعين الناس الشرفاء.

4.    "وَبُغْضُ الأبرارِ لِلْفُجّارِ خِزْيٌ عَلَى الْفُجّار":

 

o        المثال: عندما يُعبر المصلح الإجتماعي الصريح (البارّ) عن رفضه الواضح والمبدئي لممارسات الفساد وأشخاص الفساد (الفجار)، ويُظهر بُغضه لهذه الظاهرة بوضوح ودون تردد، فإن هذا البغض لا يُلحق الضرر بالمصلح، بل هو "خِزْيٌ" يُلحق بالفاسدين أنفسهم. لأنهم يُصبحون مكروهين ومرفوضين من قِبل الصالحين، وهذا يُعري فسادهم أمام الرأي العام، ويُقلل من نفوذهم الاجتماعي، ويُجردهم من أي غطاء شرعي أو أخلاقي، ويُلقي عليهم العار والخزي الذي يستحقونه بسبب أفعالهم.

      هذا المثال يُبين كيف أن الحديث لا يُقدم مجرد حِكمة نظرية، بل يُفصل ديناميكيات العلاقات الاجتماعية بناءً على التقوى والفجور، ويُقدم للمؤمن بصيرة في تقييم موقعه ومدى تأثيره في المجتمع، ويُعزز لديه الثقة في طريق الحق، حتى وإن واجه عداءً من أهل الباطل.

قال الإمام الحسن العسكري( عليه السلام):" أُوصيكُمْ بِتَقْوَي اللّهِ وَالْوَرَعِ في دينِكُمْ وَالاجْتَهادِ لِلّهِ وَصِدْقِ الْحَديثِ وَأَداءِ الأَمانَةِ إِلى مَنْ ائْتَمَنَكُمْ مِنْ بَرٍّ أَوْ فاجِر وَطُولُ السُّجُودِ وَحُسْنِ الْجَوارِ. فَبِهذا جاءَ مُحَمَّدٌ(صلى الله عليه وآله وسلم)... إِتَّقُوا اللّهَ وَكُونُوا زَيْنًا وَلا تَكُونُوا شَيْنًا، جُرُّوا إِلَيْنا كُلَّ مَوَدَّة وَادْفَعُوا عَنّا كُلَّ قَبيح...".[20]

      هذا الحديث يُعدّ ميثاقًا جامعًا للمؤمن، يُقدم وصايا جامعة لأهم خصال التقوى والورع والأخلاق. يُشدد الإمام (عليه السلام) على الصدق والأمانة وحسن الجوار، مُبينًا أن هذه هي سُنة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). ويختتم بوصيةٍ ذات بُعدٍ أممي: "كونوا زينًا ولا تكونوا شينًا". أي أن سلوك الشيعي يجب أن يكون عاملًا لجلب المحبة لأهل البيت (عليهم السلام) وليس سببًا للنفور منهم. هذا يُوضح أن السلوك الفردي للمؤمن له انعكاسٌ مباشرٌ على سمعة الإمامة والدين، مما يُحمّله مسؤولية عظيمة في كونه سفيرًا لمدرسته أمام العالم.

     إن حديث الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) هذا يُعد منهاجًا متكاملًا في التربية الفردية والاجتماعية، ويُقدم أسسًا راسخة لبناء شخصية المؤمن القدوة. لنسق مثالًا عمليًا وتطبيقيًا يُجسد هذه الوصايا في حياتنا المعاصرة:

مثال عملي وتطبيقي لوصية الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)

    لنتخيل شخصية "أحمد"، وهو مهندس شاب ملتزم، يعمل في شركة كبرى للمقاولات في بيئة عمل قد تشهد بعض الضغوطات والتحديات الأخلاقية.

 

تجسيد الوصايا:

1.    تقوى الله والورع في دينه والاجتهاد لله تعالى: يرى أحمد عمله الهندسي ليس مجرد وظيفة لكسب الرزق، بل عبادة وتقوى. لذا، فهو يجتهد بضمير حي في تصميم المشاريع والإشراف على تنفيذها. يحرص على أن تكون المخططات دقيقة، والمواد المستخدمة مطابقة للمواصفات، حتى في التفاصيل الدقيقة التي قد لا يلاحظها أحد سواه، لأنه يراقب الله تعالى في عمله ويخشاه في كل خطوة، وهذا هو جوهر "الورع في الدين" و"الاجتهاد لله تعالى". هو لا يسعى للمكاسب السريعة أو غير المشروعة، وإنما يبتغي رضا الله تعالى في إتقان عمله وتقديم خدمة حقيقية للمجتمع.

2.    صدق الحديث وأداء الأمانة إلى من ائتمنكم من بر أو فاجر: في أحد المشاريع، يكتشف أحمد خطًا في الحسابات قد يُكلف الشركة خسارة، أو قد يدفع بعض المقاولين لمحاولة تقديم رشوة لتمرير مواد غير مطابقة. هنا يتجلى "صدق الحديث" بأن يُبلغ إدارة الشركة بالخطأ بشفافية وموضوعية، حتى لو كان ذلك يُلقي بمسؤولية جزئية على فريقه. كما يرفض محاولات الرشوة بشكل قاطع، ويُبلغ عنها، مُطبقًا "أداء الأمانة" حتى مع الأطراف التي قد لا تتصف بالبر. إنه يُدرك أن الأمانة هي حق لله تعالى قبل أن تكون حقًا للشركة أو للمقاول، وأن خيانتها – سواء كانت مع "بر" أو "فاجر" – هي خيانة للمبادئ الإلهية.

3.    طول السجود وحسن الجوار: على الرغم من ضغوط العمل، يحافظ أحمد على صلاته في أوقاتها، ويُخصص جزءًا من ليله للتأمل والدعاء، حيث يجد في "طول السجود" راحة نفسية وطاقة روحية تُعينه على تحمل المسؤوليات ومواجهة التحديات. هذه الصلة بالله تعالى تُنعكس على تعامله اليومي. في محيط عمله، يُعرف أحمد بـ"حسن الجوار"؛ فهو ليس مجرد زميل عمل، بل يسعى لمساعدة الآخرين، ويُقدم النصح دون تكبر، ويُشارك في المبادرات التي تُعزز من روح الفريق والتعاون. يتعامل باحترام ولطف مع الجميع، سواء كانوا من كبار المديرين أو عمال النظافة.

4.    إتَّقُوا اللّهَ وَكُونُوا زَيْنًا وَلا تَكُونُوا شَيْنًا، جُرُّوا إِلَيْنا كُلَّ مَوَدَّة وَادْفَعُوا عَنّا كُلَّ قَبيح...": بفضل التزامه بهذه الوصايا، يصبح أحمد "زينًا" لمدرسته ومذهبه. زملاؤه في العمل، حتى من غير المسلمين أو غير المتدينين، يُعجبون بأخلاقه المهنية العالية، وصدقه، وأمانته، وحرصه على الجودة. عندما يُطرح موضوع التدين أو المذهب، فإن صورة أحمد الإيجابية تُسهم في "جر المودة" نحو ما يمثله. يُصبح سلوكه دليلًا عمليًا على جمال المبادئ التي يؤمن بها أهل البيت (عليهم السلام)، ويُدفع بذلك أي صورة نمطية سلبية أو "قبيح" قد تُلصق بالمذهب أو بالمتدينين، لأنه يُقدم نموذجًا حيًا للمؤمن الذي يُثمر إيمانه خيرًا ونفعًا للجميع.

 

     هذا المثال يُوضح كيف يمكن للمؤمن في حياته اليومية، من خلال الالتزام بهذه الوصايا الجامعة، أن يكون مصداقًا عمليًا لقول الإمام العسكري(عليه السلام)، ويُصبح قدوة حسنة تنعكس إيجابًا على صورة الدين والمذهب في المجتمع.

2-    تهيئة الأمة لعصر الغيبة (الانس بالله، هدم المنائر).

قال الإمام الحسن العسكري (عليه السلام):" إِذا قامَ الْقائِمُ أَمَرَ بِهَدْمِ الْمَنائِرِ وَالْمَقاصيرِ الَّتي فِي الْمَساجِد".[21]

      هذا الحديث يُشير إلى جانب من جوانب الإصلاح العميق الذي سيقوم به الإمام المهدي (عليه السلام) عند ظهوره، وهو إصلاح في بنيان المساجد نفسها. هدم المنائر والمقاصير قد يُفهم رمزيًا على أنه إزالة للزخارف والشعارات التي قد تُشوه جوهر العبادة وتُبعدها عن بساطتها وصفائها. قد تكون دلالته على القضاء على مراكز القوة أو رموز التفرقة التي بُنيت باسم الدين، وعودة المساجد إلى دورها الأصلي كمراكز للعبادة والوحدة بعيدًا عن أسباب التفاخر والزينة المبالغ فيها. هذا يُرسخ فكرة أن قيام القائم (عجل الله فرجه) سيكون إصلاحًا شاملًا يطال المظاهر والجوهر.

    إن الحديث الشريف عن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام): "إِذا قامَ الْقائِمُ أَمَرَ بِهَدْمِ الْمَنائِرِ وَالْمَقاصيرِ الَّتي فِي الْمَساجِد" يُعد من الأحاديث ذات الدلالة الرمزية العميقة[22]، والتي تتجاوز المعنى الحرفي الظاهري لتُشير إلى إصلاحات جوهرية وكُبرى سيُجريها الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف) عند ظهوره المبارك، ونحن نفهم أن هذا لا يعني بالضرورة هدم المباني المادية للمنائر والمقاصير فحسب، بل هو إشارة إلى "هدم" لكل ما يُشوّه جوهر الدين والعبادة، ويُبعد الناس عن الحقيقة، ويُسبب التفرقة والنزاع باسم الدين.

 

إليك مثال عملي وتطبيقي لهذه الرؤية في العصر الراهن:

التطبيق العملي والتحليلي للحديث في العصر الراهن:

      يُمكننا فهم هذا الحديث كنبوءة رمزية عن ضرورة "إصلاح الهيكل الروحي والمعرفي والاجتماعي" للمجتمعات الإسلامية. في عصرنا الحالي، حيث تتكاثر صور التفاخر الديني الشكلي على حساب المضمون، وتُستغل بعض المنابر أحيانًا لبث الفرقة أو التشدد، وتُبنى "المقاصير" المعنوية لتُعلي شأن فئة أو جماعة على حساب الوحدة الإسلامية، يأتي هذا الحديث ليُلهمنا رؤية للإصلاح المنشود:

المثال العملي:

     لنتخيل أن "المنائر" في هذا الحديث لا تُشير فقط إلى أبراج المساجد، بل إلى رموز التفاخر الديني غير المنتجة أو الشكليات الزائدة التي تُطغى على جوهر العبادة والرسالة الدينية. بينما "المقاصير" لا تقتصر على المحاريب المزخرفة أو الأماكن المخصصة لكبار الشخصيات داخل المساجد، بل تُشير إلى حواجز الطبقية، أو النخبية، أو الطائفية التي تُقام باسم الدين داخل المؤسسات الدينية، أو حتى إلى الخطابات الضيقة التي تُقصر الفهم الديني على آراء محددة وتُقصي الآخرين، ومن مصاديق ذلك ما يقوم به الحكام الطغاة عبر التاريخ من بناء المساجد الفارهة والتي لا تخلو من أشكال شرعي من جهة الأموال.

 

التطبيق العملي اليوم يقتضي:

 

·         "هدم منائر التفاخر والتعصب": العمل على إزالة كل ما يُعطي للدين شكلًا مبالغًا فيه أو مظهرًا يُنافي البساطة والخشوع المطلوبين في العبادة.

مثال ذلك: التركيز على جوهر الصلاة والدعاء والذكر، بدلًا من التفاخر بزخرفة المساجد أو التنافس في المظاهر الخارجية التي قد تُشغل القلوب عن حقيقة العبادة. كما يشمل ذلك هدم "منائر التعصب" الفكري والمذهبي التي تُرفع باسم الدين، والتي تُفرق الصفوف وتُعيق التقارب بين المسلمين، وذلك بتعزيز خطاب الوحدة والتسامح والتركيز على المشتركات.

·         "هدم مقاصير التفرقة والاحتجاج المعرفي": يعني ذلك ضرورة إزالة الحواجز المصطنعة التي تُفصل بين أفراد المجتمع داخل المؤسسة الدينية، أو التي تُغلق أبواب المعرفة على فئة دون أخرى.

مثال ذلك: العمل على جعل المساجد والمؤسسات الدينية مراكز حقيقية لتعليم جميع أفراد المجتمع، بمختلف شرائحهم، دون تمييز أو إقصاء. كما يشمل ذلك هدم "مقاصير الجمود الفكري" والتحجر في الفهم الديني، والتشجيع على التفكير النقدي المستنير، والبحث عن الحقائق، وعدم الاكتفاء بالتقليد الأعمى أو حصر الفهم الديني في آراء معينة لا تتناسب مع روح الشريعة وتطورات العصر، مع الالتزام بالضوابط العلمية والفقهية.

·         العودة إلى الوظيفة الأصيلة للمسجد: يَدعونا هذا الحديث إلى إعادة تأهيل المساجد والمراكز الدينية لتكون مراكز حيوية للوحدة، والوعي، والتربية، والعلم، وحل المشكلات الاجتماعية، لا مجرد أماكن لأداء الطقوس، بعيدًا عن أي مظهر من مظاهر الزخرفة المفرطة أو التفاخر أو الاستغلال السياسي الذي يُفقدها جوهرها الروحي والاجتماعي.

 

       وبهذا الفهم، يُصبح الحديث الشريف للإمام العسكري (عليه السلام) بمثابة دعوة مستمرة للإصلاح الذاتي والمجتمعي، تمهيدًا لظهور الإمام القائم (عجل الله فرجه)، الذي سيُطبق هذا الإصلاح بشكل كُلي وعالمي.

المبحث السادس: تطبيقات عملية للنهج التربوي للإمام الحسن العسكري (عليه السلام) في العصر الراهن

    إن النهج التربوي للإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، كما يتبلور في الأحاديث العسكرية الشريفة السابقة، يُشكل منهاجًا متكاملًا لبناء الشخصية المؤمنة القادرة على مواجهة تحديات كل زمان ومكان، لا سيما في عصرنا الراهن الذي تتقلب فيه الفتن وتتعاظم فيه التحديات. إنه نهجٌ يتجاوز الطروحات النظرية ليُقدم خريطة طريق عملية للارتقاء التربوي والروحي والأخلاقي.

 

1-  بناء الشخصية المؤمنة المتوازنة في زمن الفتن:

    في زمنٍ تُعصف فيه الفتن بالشخصيات وتُزعزع اليقين، وتُخالط فيه الحقائق بالأباطيل، يُقدم الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) أسسًا متينة لبناء شخصية مؤمنة متوازنة، قادرة على الثبات والصمود، كما يُشير البحث إلى أن الأحاديث العسكرية تُعد "مصدر حيوي لبناء الشخصية المؤمنة في عصر الغيبة". هذه الشخصية لا تُبنى على الانفعال أو التقليد الأعمى، بل على دعائم راسخة من التقوى والورع والأخلاق القويمة.

    ويُشدد النهج العسكري على أهمية الجانب العملي من الإيمان؛ فليست التقوى مجرد شعار، بل هي ممارسة يومية للصدق والأمانة وحسن الجوار. كما ورد في الحديث الذي يُقدمه البحث كوصية جامعة لأهم خصال التقوى: "كونوا زينًا ولا تكونوا شينًا". هذه الوصية ذات البعد الأممي تُشير إلى أن سلوك الفرد المؤمن ليس شأنًا خاصًا به فحسب، بل هو انعكاس للدين والمذهب. فالمؤمن الشيعي، يُصبح سفيرًا لمدرسته أمام العالم. في زمن الفتن حيث تُشوّه الصور وتُعمّم الأحكام، يُصبح السلوك الفردي المستقيم والمتوازن هو خير دليل على صدق المنهج. الشخصية المتوازنة هي التي تزن الأمور بميزان الشرع والعقل، ولا تنجرف وراء الدعوات المتطرفة أو الآراء الشاذة. هي التي تُدرك أن الثبات على الحق لا يعني الانزواء عن المجتمع، بل يعني الاندماج الإيجابي فيه، والتحلي بـ"حسن الجوار" و"الأمانة" و"الصدق"، وهي خصال تُبني جسور الثقة والمودة حتى مع المخالفين. هذا البناء يُؤسس لمرونة داخلية تُمكن الفرد من التكيف مع المتغيرات دون التخلي عن الثوابت، ويُعصمه من الوقوع في شرك الانقسام والنزاع الذي هو جوهر الفتن.

 

2-  دور الأخلاق والتربية في مواجهة التحديات الاجتماعية والمعرفية:

     يُعاني العصر الراهن من تحديات اجتماعية ومعرفية معقدة؛ فالتشتت المعرفي، والنزعات المادية، وتراجع منظومة القيم، وتفشي الظواهر السلبية، كلها تُلقي بظلالها على حياة الأفراد والمجتمعات. في هذا السياق، يُقدم نهج الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) الأخلاق والتربية الروحانية كحصنٍ منيع وسبيلٍ فعال للمواجهة والتجاوز. ويُؤكد البحث على أن الأحاديث العسكرية تُبرز "مكانة هذه الأحاديث كمصدر حيوي لبناء الشخصية المؤمنة"، ويُشير البحث إلى تقديم "رؤية متكاملة للمنهاج الأخلاقي والتربوي الذي رسمه الإمام (عليه السلام) لإتباعه وشيعته، مع تسليط الضوء على حاجته الماسة في عصرنا الراهن."

     إنَّ الروحانية في هذا النهج لا تعني الانقطاع عن الدنيا، بل هي ارتقاء بالنفس يُمكنها من رؤية الحقائق بما وراء الظواهر. فالإمام (عليه السلام) يُشدد على الأخلاق العملية التي تُعالج العلل الاجتماعية، مثل الصدق الذي يُزيل الكذب والنفاق، والأمانة التي تُحارب الخيانة والفساد، وحسن الجوار الذي يُعزز التكافل الاجتماعي والتراحم. هذه الخصال تُشكل دروعًا في وجه التحديات الاجتماعية كالتفكك الأسري، وتراجع قيم التعاون، وتفشي الأنانية. على الصعيد المعرفي، وتُسهم المكارم الأخلاقية في تنقية الفكر من الشوائب، وتُمكن الفرد من التمييز بين الغث والسمين، لا سيما في عصر تزدحم فيه المعلومات وتتعدد فيه الشبهات. الإمام (عليه السلام) يُشجع على "كونوا زينًا" أي أن يكون سلوكنا وأخلاقنا مصدرًا للفخر والجمال لديننا ومذهبنا، وهذا يُعد دافعًا للتحلي بأعلى درجات الوعي الأخلاقي والروحي. فالإنسان المتخلق بأخلاق الأنبياء والمرسلين والأئمة المنتجبين(عليهم السلام) يمتلك بصيرة نافذة تُمكّنه من تجاوز السطحية المعرفية، والتعامل مع التحديات الفكرية بعمق وتأمل، والبحث عن الحقيقة دون انحياز أو تعصب، وهو ما يُعتبر ضروريًا في بيئة معرفية تتسم بالاضطراب.

 

3-  أهمية الانتظار الإيجابي وتهيئة الذات لظهور الإمام (عليه السلام):

     يُشكل مفهوم الانتظار الإيجابي للإمام المهدي (عجل الله فرجه) ركيزة أساسية في النهج التربوي لأهل البيت (عليهم السلام)، ويُبرز نهج الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) هذا المفهوم بوضوح كجزء لا يتجزأ من بناء الشخصية المؤمنة وتجهيزها لدورها المستقبلي. يُشير البحث إلى "تهيئة الأمة لعصر الغيبة والتهيؤ لظهور الإمام المهدي (عجل الله فرجه)". هذا الانتظار ليس سلبيًا أو مجرد ترقب، بل هو حالة من العمل الدؤوب والسعي الحثيث لتهيئة الأرضية لظهور المُنقذ العالمي

     ويتجلى الجانب العملي من هذا الانتظار في حديث الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) الذي ورد في البحث: "إِذا قامَ الْقائِمُ أَمَرَ بِهَدْمِ الْمَنائِرِ وَالْمَقاصيرِ الَّتي فِي الْمَساجِد". هذا الحديث، وإن حمل دلالة رمزية عميقة، يُمكن فهمه كدعوة إلى إصلاح جوهري في بنية المجتمع والدين قبل الظهور الشريف. فـ"هدم المنائر والمقاصير" قد يُشير إلى إزالة كل ما يُشوه جوهر العبادة ويُبعدها عن بساطتها وصفائها، أو القضاء على مراكز القوة والزخارف التي قد تُشكل رموزًا للتفرقة أو الانحراف باسم الدين، وتهيئة الذات لظهور الإمام (عليه السلام) وتعني إصلاح النفس على المستويين الفردي والمجتمعي؛ فالمؤمن المُنتظر هو الذي يُجاهد نفسه للتحلي بالفضائل، ومحاربة الرذائل، والصدق في القول والعمل، وهو الذي يسعى لنشر العدل والخير في محيطه، ويُصبح عنصرًا فاعلًا في بناء المجتمع الصالح، لا مجرد فرد منعزل. فالانتظار الإيجابي هو حركة دائمة نحو التكامل الأخلاقي والعقدي، وتطوير الوعي بالمسؤولية، والتحضير الفكري والعملي لدولة العدل الإلهي المرتقبة، بحيث يكون الفرد جاهزًا ليكون جنديًا في جيش الحق، وداعمًا لمشروع الإصلاح الشامل عند الظهور المقدس، وهذا يُعطي لحياة المؤمن معنى وهدفًا أسمى يتجاوز الذات، ويربطه بمشروع إلهي عظيم.

 

الخاتمة

     في ختام هذه القراءة المتأنية والتحليلية لـ "نهج الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) التربوي أسس الأخلاق والارتقاء الروحي في ضوء الأحاديث العسكرية الشريفة"، يتجلى بوضوح أن الإمام العسكري (عليه السلام) لم يكن مجرد إمام هادٍ للأمة فحسب، بل كان مربيًا فاضلًا ومنهاجًا شاملًا في بناء الإنسان. لقد أثبت البحث أن تعاليمه، المستقاة من الأحاديث النبوية الشريفة التي ورثها كابرٌ عن كابرٍ عن كابر عن خاتم الرسل (صلى الله عليه وآله وسلم)، تُشكل خارطة طريق متكاملة لبناء شخصية مؤمنة متوازنة، قادرة على الصمود والثبات في وجه الفتن العاصفة التي تُلاحق المجتمعات في كل عصر، ولا سيما في عصرنا الراهن. لقد تجسد في نهجه (عليه السلام) التكامل الفريد بين البعد الأخلاقي والروحاني، جاعلًا منهما الركيزة الأساسية لمواجهة التحديات الاجتماعية والمعرفية المتزايدة. كما أن رؤيته لمفهوم الانتظار الإيجابي لم تكن مجرد ترقب سلبي، بل هي دعوة صريحة لتهيئة الذات والمجتمع لظهور الإمام المنتظر (عجل الله فرجه الشريف)، من خلال العمل الدؤوب على إصلاح النفس والغير. إن هذه الأحاديث لا تُشكل تراثًا تاريخيًا فحسب، بل هي مصدر حيوي ومتجدد للتطبيق العملي، يُمكن أن يُلهم الأفراد والمؤسسات لتبني منهج تربوي مستمد من عين الوحي، يُعالج أمراض العصر ويُعزز من قيم الحق والعدل والفضيلة، مُساهمةً في بناء جيل واعٍ، مؤثر، ومُمهد لدولة العدل الإلهي.

 

أولًا: النتائج:

    لقد أفضى البحث في نهج الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) التربوي، في ضوء عينة من الأحاديث الشريفة، إلى النتائج الرئيسية التالية:

1.    أظهر البحث أن النهج التربوي للإمام العسكري (عليه السلام) يتسم بالشمولية والتكامل، حيث لا يقتصر على الجانب العبادي فحسب، بل يمتد ليشمل الجوانب الأخلاقية والاجتماعية والروحية، ويُقدم رؤية متكاملة لبناء الشخصية المؤمنة المتوازنة والقادرة على الثبات في أصعب الظروف.

2.    تبين أن الإمام (عليه السلام) يُركز على الأخلاق العملية كـ"الصدق والأمانة وحسن الجوار" (كونوا زينًا ولا تكونوا شينًا)، باعتبارها ليست مجرد فضائل نظرية، بل تطبيقات سلوكية تُعزز من مكانة الدين والمذهب في المجتمع، وتُسهم في بناء جسور الثقة والمودة، وتُعد حجر الأساس في بناء مجتمع صالح.

3.    كشف البحث عن الدور المحوري التربوي في تمكين الفرد من مواجهة التحديات المعرفية والاجتماعية؛ فالارتقاء التربوي الروحي يُعزز البصيرة والتمييز، ويُحصن النفس من الانجراف وراء الشهوات والشبهات، ويُقدم قوة داخلية للتعامل مع ضغوطات الحياة وتعقيداتها.

4.    أوضح البحث أن مفهوم الانتظار لظهور الإمام المهدي (عليه السلام) في نهج الإمام العسكري (عليه السلام) هو انتظار إيجابي وعملي، يدعو إلى "تهيئة الأمة لعصر الغيبة"، من خلال إصلاح النفس والمجتمع، والتجهيز العملي لدولة العدل الإلهي، وليس مجرد انتظار سلبي لحدث مستقبلي.

5.    أكد البحث على أن النهج التربوي للإمام العسكري (عليه السلام) يتمتع بملاءمة عالية للعصر الراهن، حيث يُقدم حلولًا جذرية للتحديات المعاصرة كأزمة القيم، وتشتت الهوية، والشبهات الفكرية، وذلك عبر بناء شخصية ذات أسس متينة من التقوى والوعي والمسؤولية.

 

ثانيًا: التوصيات:

بناءً على النتائج المستخلصة من دراسة نهج الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) التربوي، نُقدم التوصيات التالية:

1.    نُوصي المؤسسات الحوزوية والأكاديمية بتشجيع الدراسات البينية التي تُعنى بتحليل وتطبيق المناهج التربوية لأهل البيت (عليهم السلام) في معالجة القضايا المعاصرة، مع التركيز على الجوانب التطبيقية والنفسية والاجتماعية لهذه التعاليم.

2.    يجب على المؤسسات التعليمية والدينية تطوير مناهج تربوية وبرامج عملية مستلهمة من أحاديث الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) التربوية، لغرس قيم الصدق والأمانة وحسن الجوار والورع في نفوس الأجيال الناشئة، وتعزيز مفهوم الانتظار الإيجابي كحركة بناء وإصلاح.

3.    نُوصي وسائل الإعلام الدينية، والخطباء، والناشطين الاجتماعيين المتدينين بتبني خطاب توجيهي يُسلط الضوء على البعد العملي والأخلاقي والروحاني لتعاليم أهل البيت (عليهم السلام)، لا سيما ما ورد عن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، وذلك لتعزيز الوعي الجمعي بدور الفرد والمجتمع في تمهيد دولة العدل الإلهي ومواجهة الفتن.

 

هوامش البحث

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

17 - المسعودي، إثبات الوصية، ص250.

18- المجلسي، بحار الأنوار، ج75، ص379.

19- الحراني، تحف العقول، ص517.

20- المجلسي، بحار الانوار، ج75، ص372، باب29.

21- البحراني، هاشم، مدينة المعاجز، ج 3، ص 337، ح 2554؛ الحر العاملي، محمد بن الحسن، إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات، ج 3، ص 412، ح 48؛ المجلسي، بحار الأنوار، ج 50، ص 250، ح 3 .

22- إن الاعتماد على الفهم "الرمزي" للحديث لا يعني نفي وقوع الهدم الحقيقي والفعلي للمنائر والمقاصير عند قيام الإمام (عجّل الله فرجه)، بل يهدف إلى إثبات أن الهدم المادي الذي سيقوم به الإمام يستند إلى علة وغرض حقيقي، وهو إزالة العلل المعنوية والفكرية التي أدت إلى بناء تلك الشكليات الضارة بالدين. هذا المنهج التفسيري يجمع بين إثبات الحقيقة المادية الواردة في الحديث (فعل الهدم) وبين تعميق الدلالة الغائية منه (إزالة الانحراف)، مما يؤكد أن الإصلاح المنشود هو إصلاح شامل يطال الظاهر والباطن معًا.

 

_____________

 

مصادر البحث

 

  • القرآن الكريم. (سورة النحل، الآية: 125).
  • الكليني، محمد بن يعقوب (ت 329هـ). الكافي، تحقيق: علي أكبر غفاري (دار الكتب الإسلامية، طهران). ط5.
  • المسعودي، علي بن الحسين (ت 346هـ). إثبات الوصية للإمام علي بن أبي طالب. (دار انصاريان. قم)، ط1.
  • الصدوق، محمد بن علي بن بابويه القمي (ت 381هـ). كمال الدين وتمام النعمة، تحقيق: علي أكبر غفاري، (مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة)، ط2.
  • الحراني، ابن شعبة، الحسن بن علي (ت ق4هـ). تحف العقول عن آل الرسول (صلى الله عليه وآله). تحقيق: علي أكبر غفاري، (الناشر: جامعة المدرسين، قم)، ط2.
  • الحر العاملي، محمد بن الحسن (ت 1104هـ). تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة. (مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث. قم المشرفة)، ط2.
  • الحر العاملي، محمد بن الحسن (ت 1104هـ). إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات. (منشورات الأعلمي للمطبوعات. بيروت)، ط1.
  • البحراني، هاشم بن سليمان (ت 1107هـ). مدينة المعاجز. تحقيق: عزة الله المولائي الهمداني، (مؤسسة المعارف الإسلامية، قم).
  • المجلسي، محمد باقر (ت 1111هـ). بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار. (دار إحياء التراث العربي، بيروت).
  • النمازي الشاهرودي، علي (ت 1405هـ). مستدرك سفينة البحار. (مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين في قم المشرفة).
  • القرشي، باقر شريف (1433ه). حياة الإمام الحسن العسكري "دراسة وتحليل". (دار الكتاب الإسلامي، قم المشرفة، ط1، 1988م).
  • السمناوي، محمد (معاصر). "لمحة موجزة عن حياة وتراث الامام الحسن بن علي العسكري عليه السلام". (موقع كتابات في الميزان، من صفحته، د.ت).

 

مواضيع ذات صلة