البحث المتقدم

البحث المتقدم

البصيرة في زمن الشاشات.. كيف نزن المرجعية بميزان النبوة؟

0 تقييم المقال

بقلم: زاهر حسين العبد الله
في عصرٍ أصبحت فيه الشاشات نافذةً مفتوحة على كل صوت، وتحوّلت فيه المنصات الرقمية إلى ساحاتٍ تتزاحم فيها الآراء والدعاوى، يواجه الشباب تحدياً حقيقياً في التمييز بين العالم الرباني والمدّعي الذي يتزيّن بشعارات براقة وخطابات مؤثرة.
فلم يعد الخطر مقتصراً على الشبهات القادمة من الخارج، بل برزت ظاهرة أشد تعقيداً تتمثل في أشخاص ينتحلون صفة المرجعية أو النخبوية الفكرية والثقافية، ويرفعون شعارات تستثير المشاعر وتخاطب نزعات الانتماء المحلي أو العاطفة الجماهيرية، فيدفعون بعض الشباب إلى الالتفاف حولهم دون امتلاك المعايير العلمية الكافية للحكم على صحة تلك الدعاوى.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى العودة إلى الميزان الذي وضعه النبي الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهو ميزان لا يخضع للضجيج الإعلامي ولا لعدد المتابعين ولا لجاذبية الخطاب، بل يكشف حقيقة الإنسان من خلال أثره في النفوس والعقول.
فقد ورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم قوله:
«لا تجلسوا إلا عند كل عالم يدعوكم من خمس إلى خمس: من الشك إلى اليقين، ومن الرياء إلى الإخلاص، ومن الرغبة إلى الرهبة، ومن الكبر إلى التواضع، ومن الغش إلى النصيحة»[1].
وهذا الحديث الشريف يرسم ما يمكن تسميته بـ«الميزان الخماسي» الذي يمكّن الإنسان الواعي من التفريق بين العالم الحقيقي والمدّعي.
من الشك إلى اليقين
العالم الرباني يعمل على ترسيخ اليقين في أصول الدين وثوابته، ويعزز الثقة بالمرجعيات العلمية الراسخة التي أفنت أعمارها في خدمة الإسلام ومذهب أهل البيت عليهم السلام. أما المدّعي فإنه غالباً ما يبدأ بالتشكيك في العلماء والمؤسسات العلمية العريقة ليعزل أتباعه عنهم، ثم يجعل من نفسه محوراً وحيداً للمعرفة والاتباع.
من الرياء إلى الإخلاص
من أهم علامات العالم الصادق أن يكون عمله موجهاً إلى الله تعالى لا إلى صناعة المجد الشخصي أو تضخيم الذات. ويمكن ملاحظة ذلك من خلال مواقفه وخطابه وكتاباته وسلوكه العام. أما من يجعل همه الانتصار لنفسه وتسقيط الآخرين والتشكيك في نياتهم وجهودهم، فإنه يبتعد عن روح الإخلاص التي دعا إليها الإسلام.
من الرغبة إلى الرهبة
العالم الحقيقي يربط الإنسان بالله سبحانه وتعالى، ويذكّره بعظم المسؤولية الشرعية وبالوقوف بين يدي الله يوم القيامة. أما الخطابات التي تستند إلى المكاسب الدنيوية أو الشعارات العاطفية المثيرة، فإنها قد تستدرج الإنسان إلى اتباع الأشخاص بدلاً من اتباع الحق.
من الكبر إلى التواضع
التواضع من أبرز سمات العلماء الربانيين؛ فهم يرون أنفسهم امتداداً لمسيرة طويلة من التضحيات والجهود العلمية، ويحترمون إرث من سبقهم من العلماء والمحققين. أما الأدعياء فإنهم غالباً ما يسعون إلى تهميش جهود الآخرين والتقليل من قيمة المدارس العلمية العريقة وتاريخها الحافل بالعطاء.
من الغش إلى النصيحة
الناصح الأمين لا يقول للناس ما يحبون سماعه دائماً، بل يقول ما يراه حقاً وإن كان ثقيلاً على النفوس. أما الغشاش فإنه يساير الأهواء العامة ويخاطب الرغبات الجماهيرية طمعاً في الشعبية والاتباع.
أهل الخبرة.. الميزان الشرعي في تشخيص المرجعية
ومع أن عامة الناس قد لا يمتلكون القدرة العلمية على تقييم الاجتهاد أو الأعلمية بأنفسهم، فإن الشريعة الإسلامية لم تتركهم بلا معيار، بل جعلت الرجوع إلى أهل الخبرة الطريق الشرعي للتشخيص.
وأهل الخبرة ليسوا مجرد خطباء أو مثقفين أو أدباء، وإنما هم علماء مارسوا البحث والتدريس سنوات طويلة، وتتوافر فيهم جملة من الخصائص، أبرزها:
•    بلوغ مرتبة الاجتهاد أو مقاربة الاجتهاد.
•    التخصص والممارسة العلمية المستمرة داخل الحوزات العلمية ومراكز البحث.
•    العدالة والنزاهة العلمية.
•    القدرة على تقييم النتاج العلمي للفقهاء والمجتهدين.
ولهذا اعتمد الفقهاء في إثبات الاجتهاد والأعلمية على شهادة أهل الخبرة والبيّنة الشرعية والشياع المفيد للاطمئنان[2].
تحذير أمير المؤمنين من العلماء المزيّفين
لقد نبّه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام إلى خطورة هذه الظاهرة منذ قرون طويلة، حين وصف بعض المتصدّرين بغير حق بقوله:
«وَرَجُلٌ قَمَشَ جَهْلًا، مُوضِعٌ فِي جُهَّالِ الْأُمَّةِ، غَارٌّ فِي أَغْبَاشِ الْفِتْنَةِ، عَمٍ بِمَا فِي عَقْدِ الْهُدْنَةِ، قَدْ سَمَّاهُ أَشْبَاهُ النَّاسِ عَالِماً وَلَيْسَ بِهِ»[3].
إنها صورة دقيقة لمن يكتسب لقب العالم من تصفيق الجماهير أو شهرة المنصات، بينما يفتقد المقومات العلمية الحقيقية التي تؤهله لهذا الموقع الخطير.
فالمرجعية ليست منصباً يُنتزع بالشعارات أو الحضور الإعلامي، وإنما هي مسؤولية علمية وروحية عظيمة تُعرف بصدق العمل وصلاح السيرة، ولذلك ورد في وصف العالم الحقيقي أن «يصدق فعله قوله»[4].
البصيرة قبل الحماسة
إن أخطر ما يمكن أن يقع فيه الإنسان هو أن يسلّم زمام دينه لمن يتقن فن الخطابة وصياغة الكلمات، بينما يفتقر إلى جوهر التقوى والعلم والورع.
فالمرجعية العلمية الأصيلة التي تمثلت عبر القرون في الحوزات العلمية الكبرى، كحوزتي النجف الأشرف وقم المقدسة، لم تُبنَ بين ليلة وضحاها، بل تأسست على جهود أجيال من العلماء الذين بذلوا أعمارهم في البحث والتعليم وخدمة الدين.
ومن هنا فإن المطلوب من الشباب أن يجعلوا التقوى والعلم والبرهان ميزانهم، لا الإثارة الإعلامية ولا الحماسة العابرة. وأن يبحثوا عمن يزيدهم إيماناً إذا جالسوه، وعلماً إذا استمعوا إليه، ووقاراً إذا رأوه، وأن يتمسكوا بأهل العلم الذين تركوا آثاراً علمية راسخة من دروس ومؤلفات وأبحاث تشهد لهم قبل أن تشهد لهم الألقاب والشعارات.
فالدين بصيرة، والبصيرة نورٌ من الله، ولا تُنال بالانبهار بأضواء المنصات، بل بمعرفة الحق وأهله، وسلوك طريق الاحتياط والوعي والتحقيق.
والحمد لله رب العالمين.
بقلم : زاهر حسين العبد الله 
المصادر والشواهد
[1] ميرزا حسين النوري الطبرسي، مستدرك الوسائل، ج8، ص327.
[2] السيد محمد كاظم اليزدي، العروة الوثقى، كتاب التقليد، باب طرق إثبات الاجتهاد والأعلمية.
[3] السيد حسين البروجردي، جامع أحاديث الشيعة، ج1، ص328.
[4] الشيخ الكليني، الكافي، ج1، كتاب فضل العلم، باب صفة العلماء، الحديث 5.

نعم
هل اعجبك المقال