البحث المتقدم

البحث المتقدم

١٠ صفر ١٤٤٨

اللحظات الأخيرة: قراءة موجزة في وصايا الإمام الحسن بن علي لأهل بيته وأصحابه

 مقدمة

      إنّ تاريخ أئمة أهل البيت (D) ليس مجرد سردٍ لواقعةٍ من وقائع الزمن، بل هو منظومةٌ من النور الإلهي الهادي، يتجلى في أبهى صورها حينما يقترب الإمام من لحظات لقاء الله تعالى، وحين نقف بقلوب خاشعة أمام اللحظات الأخيرة من حياة سبط النبي الأكبر الحسن بن علي(A)، وسيد شباب أهل الجنة، الإمام الحسن المجتبى (A)، فإننا لا نقف أمام مشهد احتضار إنسانٍ عادي، بل نقف أمام دستورٍ للكمال الإنساني صِيغ في أشد ساعات الألم وأقصى درجات المحنة، حين كانت سموم الغدر الأموية تمزق أحشاءه الطاهرة، وتمزق كبده بالسم الفتاك، لقد كان الإمام (A) وهو يواجه غدر الزمان، يمارس دوره الإلهي في التوجيه والتربية وإثارة دفائن العقول حتى الرمق الأخير، فلم يغرق في ألم جسده، بل كان قلبه وعقله مشغولين بإنارة درب الأمة، وبأمانة الله (}) التي استخلفه ونص عليها أبوه أمير المؤمنين (A)، ليترك لنا إرثاً يضيء عتمة الدنيا بكلماتٍ هي أغلى وأثمن من الجوهر، تكشف عن أسرار إمامته وعمق اتصاله بالسماء، وهذا ما سوف يتم تناوله بشكل إجمالي وفق الأمور الآتية:

أولاً: في مدرسة الحكمة.. وصية الإمام (A) لجنادة بن أبي أمية

     حينما دخل جنادة بن أبي أمية على الإمام (A) عائداً له، كان يدرك تمام الإدراك أنَّ الكلمات التي ستخرج من هذا الفم الطاهر في هذه اللحظات ليست مجرد نصائح عابرة، بل هي خلاصة تجربة حياةٍ قضيت في رحاب النبوة والولاية. طلب جنادة منه العظة، فأتحفه الإمام بكلماتٍ تُعدُّ دستوراً للزهد والعمل، حيث قال: "يا جنادة! استعد لسفرك، وحصّل زادك قبل حلول أجلك، واعلم أنّك تطلب الدنيا والموت يطلبك، ولا تحمل همّ يومك الذي لم يأت على يومك الّذي أنت فيه".[1]

     إنها دعوةٌ صريحةٌ للتأهب الدائم للقاء الله (})، لا بالخوف المذموم من الموت، بل بالتزود بالتقوى قبل حلول الأجل المحتوم. كما وضع الإمام (A) قواعد ذهبية للتعامل مع الدنيا، داعياً إلى أن ننزلها بمنزلة الميتة، نأخذ منها ما يكفي للبقاء لا ما يورث الوباء، مؤكداً في قوله: "واعمل لدنياك كأنّك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنّك تموت غدا".[2]

     وهذه الموازنة الدقيقة بين عمارة الأرض وبين التهيؤ للرحيل هي جوهر العقل المسلم الذي لا يغفل عن حقيقة الاستخلاف.

     أما في باب العلاقات الاجتماعية، فقد رسم الإمام الحسن (A) ملامح الصديق الحقيقي والمعين في النوائب، واضعاً معايير أخلاقية لمن ينبغي أن نصاحبه، حيث أرشد جنادة قائلاً: "وإذا نازعتك إلى صحبة الرجال حاجة فاصحب من إذا صحبته زانك، وإذا أخذت منه صانك، وإذا أردت منه معونة أعانك".[3]

    لقد وضع الإمام (A) ميزاناً دقيقاً للصداقة، مبيناً أنَّ الصاحب الحق هو الذي يستر الثلمة، ويسد الخلة، ويصدق في النصيحة، ويؤثرك عند الحقائق، فإذا غاب عنك حفظك، وإذا حضرت معه رفع شأنك. وتتجلى في هذه الوصية عبقرية وحكمة الإمام (A) التربوية، حيث جعل من الأخلاق الاجتماعية طريقاً لعز الدنيا وكرامة الآخرة، مؤكداً أنَّ العز ليس في العشيرة أو السلطان، بل في الانتقال من ذل معصية الله (}) إلى عز طاعته، ناهيك إنَّ كل كلمة في هذه الوصية كانت تخرج من قلبٍ محترقٍ بالألم، لكنها تحمل في طياتها بلسماً شافياً لكل من أراد أن يسير في طريق الصالحين بوعيٍ وبصيرة، فهي مدرسةٌ تربوية متكاملة الأركان.

ثانياً: هول المطلع ورهبة اللقاء.. درس في الخوف الرجائي

    في مشهدٍ تقشعر له الأبدان، وحين اشتد الوجع بالإمام الزكي الحسن (A) وسعر عليه الألم، استنكر بعض عوّاده جزعه، مستندين في تساؤلهم إلى عظمةِ نسبه الشريف، قائلين: "يا بن رسول اللّه، لم هذا الجزع؟ أليس الجدّ رسول اللّه، والأب علي، والامّ فاطمة، وأنت سيّد شباب أهل الجنة؟! فجاء الجواب بصوتٍ خافتٍ، لكنه زلزل القلوب وأيقظ الغافلين، حيث قال (A): "أبكي لخصلتين: هول المطلع، وفراق الأحبّة".[4]

      إنَّ هذا البكاء ليس جزعاً من الموت أو خوفاً من الفناء، بل هو إقرارٌ بقدسية الله (}) وعظمة هيبة الوقوف بين يديه في يوم الحساب، وهو تعبيرٌ صادقٌ عن مشاعر نبيلة تجاه فراق الأحبة في الله (}).

      إنَّ الإمام (A) يضعنا أمام درسٍ في الخوف الرجائي؛ فكلما ازداد العبد قرباً من الله (})، ازداد علماً بعظمته، فازدادت رهبته وخشوعه، وهذا هو مقام الأنبياء والأولياء الذين رغم يقينهم بالجنة، يظلون على حذرٍ من جلال الله (}).

      إنَّ هذا المشهد يكشف لنا عن طبيعة العلاقة بين الإمام وبارئه، فهي ليست علاقة تكليفٍ فحسب، بل هي علاقة حبٍ وشوقٍ ورهبةٍ تتزاحم في صدرٍ عظيم. إنَّ ذكر هول المطلع هو تذكيرٌ لكل مؤمن بأنَّ طريق الآخرة ليس مفروشاً بالورود، بل يحتاج إلى زادٍ من العمل الصالح واليقين الراسخ، وأنَّ فراق الأحبة هو سنة الحياة التي تستوجب الصبر والاحتساب. لقد أراد الإمام (A) أن يغرس في نفوس أصحابه أنَّ الموت حق، والوقوف بين يدي الله (}) حقيقة، فليكن الإنسان مستعداً لهذه اللحظة بكل جوارحه، وليكن قلبه معلقاً بالله (})، لا بالدنيا الفانية. هذه الكلمات القليلة في لفظها، العظيمة في دلالتها، تختصر فلسفة الوجود الإنساني في لحظة الوداع، وتؤكد أنَّ التواضع أمام عظمة الخالق هو الطريق الأوحد للوصول إلى الرضوان، وأنَّ الخوف من الله (}) ليس ضعفاً، بل هو عين الحكمة والبصيرة التي يفتقدها الكثيرون.

ثالثاً: عهد الإمامة وتسليم الأمانة إلى الإمام الحسين (A)

      لم تكن وصية الإمام الحسن (A) لأخيه الحسين (A) مجرد وصيةٍ عائليةٍ أو إرثٍ مادي، بل كانت تسليماً لأمانة الإمامة وعهداً إلهياً يحفظ مسيرة الرسالة. لقد أرسى الإمام (A) في وصيته توحيد الله تعالى بوضوح، مقرّاً بقدرته المطلقة، حيث قال: "أوصى أنّه يشهد أن لا إله إلّا اللّه، وحده لا شريك له، وأنّه يعبده حقّ عبادته، لا شريك له في الملك". ثم انتقل بقلبٍ رحيم إلى رعاية العائلة، موصياً أخاه الحسين بقوله: "أوصيك يا حسين بمن خلفت من أهلي وولدي وأهل بيتك، أن تصفح عن مسيئهم، وتقبل من محسنهم، وتكون لهم خلفا ووالدا".[5]

     لقد كان الإمام الزكي (A) يرى في أخيه الحسين (A) الملاذ والكهف الذي يأوي إليه آل البيت (D) من بعده، فأوصاه بالرحمة والتسامح والحكمة في إدارة شؤون الأسرة العلوية.

     أما أمنيته في الدفن، فقد كانت تحمل دلالة سياسية وعقائدية عميقة في التمسك بحرمة رسول الله (J) والانتساب إلى روضته الطاهرة، وحين حذر الإمام كريم آل البيت (D) من إراقة الدماء، أراد أن يجنب الأمة فتنة لا تُحمد عقباها، مفضلاً الصبر والاحتجاج أمام جده رسول الله (J) على أن يسيل دمٌ في أمرٍ يخصه، قائلاً: "فإن أبوا عليك فأنشدك اللّه وبالقرابة التي قرّب اللّه منك والرحم الماسّة من رسول اللّه أن لا يهراق من أمري محجمة من دم".[6]

     هذا الموقف يجسد عظمة الإمام الزكي (A) وتضحيته، فهو الذي كان يؤثر سلامة الأمة على مطالب الحق الشخصي، ليترك لنا درساً في كيف يُدار الصراع بعيداً عن إراقة الدماء والفتن. إنَّ هذه الوصية هي وثيقة تاريخية وعقائدية تعكس نبل الإمام الحسن (A)، الذي حتى في لحظات غدر الأعداء، ظل حريصاً على وحدة الأمة وسلامة بيوت المسلمين، فكانت كلماته هذه بمثابة عهدٍ للأجيال بالصبر والحكمة.

رابعاً: في مدرسة الوعي.. وصية الإمام لمحمد بن الحنفية

     استدعى الإمام الحسن (A) أخاه محمد بن الحنفية في لحظاتٍ توقفت عندها الأنفاس، ودخل محمدٌ مذهولاً مذعوراً من شدة الموقف. هنا، وفي هذه اللحظة الحرجة، يُنصّب الإمام الحسن (A) أخاه وبقية أهل بيته من بعده في موقع المسؤولية، ويخاطبه بكلماتٍ تُحيي القلوب، فيقول: "إجلس يا محمد، فليس يغيب مثلك عن سماع كلام تحيى به الأموات وتموت به الأحياء. كونوا أوعية العلم ومصابيح الدجى".[7]

     لقد أراد الإمام الحسن (A) أن يربط قلب أخيه بالله (}) وبأبيه أمير المؤمنين (A)، فأخبره بما سمعه من أبيه في فضله، مبيناً أنَّ الله تعالى قد اصطفى ولد إبراهيم أئمة وفضل بعضهم على بعض. وفي هذه الوصية، يضع الإمام السبط (A) أسس الإمامة الإلهية، مؤكداً أنَّ الإمامة ليست ميراثاً دنيوياً، بل هي اختيارٌ إلهي نابعٌ من علم الله بعباده الصالحين.

     لقد كان الإمام (A) في هذه الوصية حريصاً على تثبيت دعائم الحق في نفوس المقربين، فأعلنها صراحة: "يا محمد بن علي! أما علمت أن الحسين بن علي بعد وفاة نفسي ومفارقة روحي جسدي إمام بعدي، وعند اللّه في الكتاب الماضي وراثة النبيّ أصابها في وراثة أبيه وأمه".[8]

     إنَّ هذا النص يقطع الشك باليقين في تسلسل الإمامة، مؤكداً أنَّ اختيار الإمام هو أمرٌ إلهي محض، وانتقالٌ للنور من سلالةٍ طاهرةٍ إلى أخرى. لقد تجلى الإمام الحسن بن علي (A) في هذه اللحظات كمبينٍ حكيمٍ ومظهرٍ لأحكام الدين، ويضمن استقرار بيت النبوة بعد رحيله، ويؤصل لمفهوم الولاية والقيادة، وقد كان محمد بن الحنفية عند حسن ظن أخيه، حيث أبدى الطاعة والانقياد التام، مدركاً أنَّ أمر الإمامة قد حسمه الله (}) في كتابه، وأنَّ الحسين (A) هو الإمام المفترض الطاعة بعد أخيه الحسن. هذه الوصية لم تكن لمحمد بن الحنفية وحده، بل كانت إعلاناً للأمة عن مرجعية القيادة الربانية التي تحفظ الدين وتصون العقيدة من بعد رحيل السبط الأكبر (A).

الخاتمة

    إنَّ هذه الوصايا، بكلماتها التي هي أغلى من الجوهر، لا تزال حيةً في وجدان الأمة، تنبض بالحياة، وتضيء دروب المؤمنين عبر التاريخ، فلقد علمنا الإمام الحسن (A) في ساعاته الأخيرة دروساً لن تنساها الذاكرة الإنسانية: أولاً، أهمية الاستعداد للرحيل بالعمل الصالح، ثانياً، طبيعة التعامل مع الدنيا التي لا ينبغي أن تكون أكبر همنا، ثالثاً، التسليم المطلق لله (}) في كل أحوالنا، ورابعاً، حفظ أمانة الأهل والرحمة بالمؤمنين. إنَّ رحيل الإمام الحسن (A) لم يكن نهايةً، بل كان تجديداً للعهد الإلهي، وترسيخاً لقيم الإمامة التي سار عليها الحسين (A) في كربلاء. إننا حين نقرأ هذه الوصايا بدقة، نشعر بعظمة هذا الإمام المظلوم المسموم الذي حمل هموم الأمة في قلبه حتى اللحظة الأخيرة من عمره الشريف، فلم يترك شاردةً ولا واردةً إلا وأرشد إليها. فسلامٌ على الحسن بن علي المظلوم يوم وُلد، ويوم استُشهد بالسم غدراً على يد فرعون زمانه معاوية بن أبي سفيان، ويوم يُبعث حياً ليحاجج الأمة عن حق جده وأبيه (صلوات الله عليهما وآلهما)، ولينال المقام المحمود الذي وعد الله (}) به عباده الصالحين.

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

المصادر:

1-  الخزاز القمي، كفاية الأثر، ص226-229.

2-  المصدر نفسه.

3-  الخزاز القمي، مصدر سابق، ص227.

4-  الصدوق، الأمالي، ص133.

5-  الطوسي، الأمالي، ص160.

6-  المصدر نفسه.

7-  الكليني، الكافي، ج1، ص301.

8-  المصدر نفسه.

[1] ـ الخزاز القمي، كفاية الأثر، ص226-229.

[2] ـ المصدر نفسه.

[3] ـ الخزاز القمي، مصدر سابق، ص227.

[4] ـ الصدوق، الأمالي، ص133.

[5] ـ الطوسي، الأمالي، ص160.

[6] ـ المصدر نفسه.

[7] ـ الكليني، الكافي، ج1، ص301.

[8] ـ المصدر نفسه. 

مواضيع ذات صلة