#مؤسسة_الوافي_توثق
قضاء الشيخ سعد التابع لمحافظة واسط، وتحديداً في عام 1955، وُلد حسين عريبي سلطان حسين فتحي مقدم الحسناوي، ليكبر بين أهله ويمتهن بيع الأسماك، رزقاً بسيطاً كفافياً لم يكن يخطر بباله أنه سيتحول يوماً إلى ضحية من ضحايا واحدة من أقسى الحقب التي مرّ بها العراق المعاصر.
مع أواخر سبعينيات القرن الماضي، وبينما كانت آلة القمع تعمل بلا هوادة تحت ذريعة "التبعية الإيرانية"، طُرقت أبواب عائلة الحسناوي بلا سابق إنذار. لم يكن الاعتقال فردياً، بل طال العائلة بأكملها، في مشهد تكرر آلاف المرات مع عائلات عراقية أخرى وُصمت ظلماً وزوراً بتهمة لم تكن سوى غطاء لتصفية الهوية والانتماء.
اقتيد حسين برفقة ذويه إلى مراكز الاحتجاز، ثم توزعت رحلة العذاب بين عدة سجون كان أشدها قسوة سجن أبو غريب سيئ الصيت. هناك، تحت وطأة التعذيب وسوء المعاملة الممنهج، أصيب حسين إصابة بالغة في عموده الفقري، إصابة لم تندمل بسهولة، بل رافقته لسنوات طويلة حتى اضطر لاحقاً إلى الخضوع لعملية جراحية معقدة، ليحمل في جسده أثراً دائماً لتلك الحقبة السوداء.
لم تتوقف المأساة عند حدود التعذيب؛ فبعد أشهر من الاعتقال التعسفي، صودرت الأوراق الثبوتية للعائلة، وسُلبت منها هويتها الرسمية، تمهيداً لتنفيذ حكم أقسى: التسفير القسري إلى خارج الوطن عبر منفذ خانقين – قصر شيرين، في مشهد تكرر مع آلاف العراقيين الذين اقتُلعوا من جذورهم بجرة قلم ظالمة.
في إيران، بدأت مرحلة جديدة من المعاناة، حيث أمضت العائلة سنوات طويلة تنتقل بين المخيمات ومناطق اللجوء، تصارع الفقر والتشرد، وتزداد وطأة الألم مع اندلاع الحرب العراقية الإيرانية التي حوّلت حياة اللاجئين إلى جحيم مضاعف.
وفي خضم هذه المحنة، لم تسلم العائلة من فقدان أعز أبنائها؛ إذ استُشهد شقيق حسين في أثناء التحقيق معه في مديرية أمن الكوت، ليضاف اسمه إلى سجل الشهداء الذين قضوا تحت التعذيب دون أن تُعرف حقيقة ما جرى لهم. كما لم تمهل الأقدار والدَي حسين، فتوفيا في إيران بعد رحلة طويلة من المعاناة والمرض والتشرد، بعيداً عن أرضهما وذكرياتهما.
وبعد سقوط النظام، عاد حسين إلى وطنه العراق، حاملاً معه جراح الماضي وذكرياته المؤلمة، لكنه اصطدم بواقع مرير آخر؛ إذ واجه صعوبة بالغة في إثبات كامل مدة اعتقاله رسمياً، رغم وجود شهود عيان كانوا رفقاء له خلف قضبان السجون، في مفارقة تكشف حجم التحديات التي يواجهها الناجون في توثيق معاناتهم واسترداد حقوقهم.
تبقى قصة حسين عريبي واحدة من آلاف القصص المؤلمة التي عاشها العراقيون خلال تلك الحقبة، شاهدة على حجم الانتهاكات التي طالت الأبرياء، وصرخة توثيقية تستحق أن تُروى وتُحفظ في ذاكرة الأجيال، تكريماً لأرواح الضحايا وتأكيداً على أن العدالة لا تكتمل إلا بكشف الحقيقة كاملة.








