مكتب السيد السيستاني يصدر إمساكيات شهر رمضان المبارك لعام 1447هـ
في زقاقٍ هادئ من منطقة الزركة، على الطريق المؤدي بين النجف الأشرف وكربلاء المقدسة، "طريق العلماء" كانت هناك دارٌ لا تُغلق أبوابها في مواسم الزيارات، حتى في أكثر الأزمنة قسوةً وخوفاً.
دارٌ عُرفت بين السالكين بأنها مأمنٌ للخطى المتعبة، ومضافةٌ للقلوب التي تمضي صوب الامام الحسين (عليه السلام).
إنها دار المرحوم أبو ميثم العكايشي، والد الشيخ ميثم سواد العكايشي، أحد خدام أهل البيت (عليهم السلام).
هذه الحكاية وثّقها فريق العمل في مؤسسة الوافي للتوثيق والدراسات التابعة للعتبة العباسية المقدسة، ضمن مشروع توثيق الشعائر الحسينية، الذي يهدف إلى حفظ الذاكرة الشفاهية للشعائر وتثبيتها كمصدر تاريخي يعكس عمق التجربة الدينية والاجتماعية في العراق، ولا سيما في ظل التضييق الذي مارسه النظام البائد على الممارسات الدينية.
يروي الشيخ ميثم العكايشي، بهدوءٍ يختزن الكثير من الألم والاعتزاز، تفاصيل حادثةٍ وقعت في ذكرى الزيارة الشعبانية عام 1997م، حين كان عدد الزائرين المشاة قليلاً بسبب القبضة الأمنية المشددة.
في تلك الأيام، كان مجرد السير من النجف إلى كربلاء مخاطرة قد تفضي إلى الاعتقال أو الملاحقة وتصل حتى الاعدام.
في إحدى الليالي، طرق باب الدار تسعة زائرين، فاستقبلهم أبو ميثم العكايشي كما اعتاد أن يفعل، وأدخلهم إلى منزله، وقدّم لهم المأكل والمشرب والمبيت، دون أن يسأل عن هوياتهم أو يخشى العواقب.
كان يعتبر إكرام الزائرين شرفاً لا يُفرّط به، وواجباً عشائرياً ودينياً لا يقبل المساومة.
لاحقاً، تبيّن أن الضيوف كانوا من رجال الدين ومجتهدين وأساتذة في الحوزة العلمية في النجف الأشرف، جاءوا مشياً لإحياء الزيارة الشعبانية، متحدّين أجواء الترهيب والملاحقة، اذ أن تلك الليلة لم تمضِ بسلام.
فجأة، حاصرت الدار مجموعة من أزلام النظام البائد، برفقة أشخاص غطّوا وجوههم بجماغٍ أحمر، عُرف لاحقاً أنهم من بعثيي المنطقة.
طالبوا بتسليم الزائرين فوراً، مهددين باعتقال الجميع، بمن فيهم أولاد وأشقاء ابو ميثم العكايشي.
وقف أبو ميثم أمامهم في موقفٍ حاسم، وقد أدرك خطورة اللحظة، لكنه لم يتردد في التعبير عن موقفه قائلاً بما معناه: “نحن عرب، ولا نسلّم ضيفنا”. كانت عبارة تختصر منظومة قيم كاملة، وتجسّد معنى الضيافة بوصفها عهداً لا يُنكث، حتى تحت فوهات البنادق.
تطورت المواجهة إلى مشادة كلامية تخللتها عبارات سبّ وتهديد، قبل أن تتجه الأمور نحو التصعيد الخطير، إذ أشهر بعض العناصر أسلحتهم بوجه أبناء الدار.
وفي لحظة توترٍ بالغ، اضطر أحد الزائرين إلى الدفاع عن الحاضرين، فتناول أداةً حادة من أدوات المنزل تُستخدم في تكريب النخل، تُعرف بـ“سكين التكريب” أو “التبلية” -وهي سكين مقوسة وحادة جداً تُستعمل لقص الكرب وإزالة الأشواك -ما زاد الموقف تعقيداً وكاد أن يشعل مواجهة دامية.
في تلك اللحظات الحرجة، تدخّل والد الشيخ ميثم محاولاً تهدئة النفوس، رافضاً أن تنزلق الدار التي فُتحت لإكرام الزائرين إلى ساحة دم.
وبين شدٍّ وجذب، وصل خال الشيخ ميثم، المرحوم "أبو عامر"، المعروف بكونه شيخ عشيرة وصاحب كلمة مسموعة وسمعة طيبة في الإصلاح بين الناس.
تقدّم أبو عامر بخبرة العشائر وحكمة السنين، وباشر الحديث مع العناصر المحاصِرة، محاولاً امتصاص الغضب ومنع الكارثة.
إلى أن الأمر بلغ حدّ تقبيل الأيادي واسترضاء المعتدين، فضلاً عن تقديم إغراءات مادية وغيرها، في سبيل تأمين سلامة الزائرين وأبناء الدار، والحيلولة دون اعتقالهم أو سفك دمائهم.
انتهت الحادثة دون اعتقالات، لكن آثارها بقيت شاهدة على زمنٍ كان فيه إيواء تسعة زائرين كفيلاً بأن يعرّض عائلةً كاملة للخطر.
قصة الشيخ ميثم ووالده ليست حادثةً معزولة، بل نموذج مصغر عن مئات البيوت التي تحولت، في سنوات القمع، إلى محطات خفية لخدمة زوار الإمام الحسين (عليه السلام)، متحدية الخوف ومتمسكة بقيم الضيافة والولاء محمد وال محمد.
ومن خلال توثيق هذه الشهادات، تؤكد مؤسسة الوافي أن الذاكرة الشفاهية ليست مجرد سردٍ للماضي، بل وثيقة حية تكشف حجم التضحيات التي بُذلت من أجل بقاء الشعائر الحسينية حية في وجدان المجتمع، مهما اشتدّت قبضة الطغيان.








