البحث المتقدم

البحث المتقدم

موقف علماء العراق من الدعوة الوهابية: جدل العقيدة ومنطق الرد العلمي

0 تقييم المقال

 

لم تكن الدعوة الوهابية، منذ نشأتها في أواخر القرن الثامن عشر، مجرد تيار ديني عابر، بل أثارت جدلًا واسعًا في الأوساط العلمية الإسلامية، وكان لعلماء العراق- وفي مقدمتهم علماء النجف وبغداد- موقف مبكر وحاسم في مواجهتها، اتسم بالمنهجية العلمية والحوار العقلي.

النجف… بداية الرد العلمي

صدر أول رد عراقي من مدينة النجف الأشرف، مركز المرجعية الدينية، على يد العالم الكبير الشيخ جعفر كاشف الغطاء، عبر كتابه الشهير «منهج الرشاد لمن أراد السداد». جاء هذا الرد في سياق مناظرة مع عبد العزيز آل سعود، الذي اتهم الشيعة بالشرك بسبب ممارسات مثل زيارة المراقد والتوسل.

تميّز رد كاشف الغطاء بالهدوء والاحترام، مع اعتماد واضح على المنطق والاستدلال، حيث ركّز على أن الحكم على الأفعال لا يكون بمعزل عن النيات والمقاصد، وأن كثيرًا من الممارسات الدينية—كالتوسل والاستغاثة—لا تخرج عن إطار التوحيد إذا فُهمت في سياقها الصحيح.

تفكيك الشبهات… منهج عقلاني

في كتابه، ناقش كاشف الغطاء أبرز القضايا التي أثارتها الدعوة الوهابية، مثل:

  • الاستغاثة والتوسل: اعتبرها طلبًا للدعاء والشفاعة، لا عبادة لغير الله.
  • الذبح والنذر: بيّن أنها من باب إهداء الثواب، لا التقرب لغير الله استقلالًا.
  • مفهوم الكفر: فرّق بين الكفر الحقيقي والمعاصي، محذرًا من التوسع في التكفير.

كما شدّد على أن فهم النصوص الدينية يجب أن يكون ضمن سياقها، وأن اختلاف دلالات الآيات والروايات يقتضي الرجوع إلى منهج السلف والإجماع، لا التفسير الحرفي المنعزل.

بغداد تدخل على خط المواجهة

لم يقتصر الرد على النجف، بل شارك علماء بغداد بدور بارز. فقد تصدى إبراهيم فصيح الحيدري البغدادي في كتابه «عنوان المجد»، مؤكدًا مشروعية التوسل وزيارة القبور، ومبينًا أن جمهور علماء المسلمين أقروا بذلك.

كما برز داود بن سليمان البغدادي، الذي ألّف عدة كتب في الرد على الوهابية، أبرزها «المنحة الوهبية»، فقد عدّ أن إنكار التوسل ناتج عن فهم قاصر لطبيعة الحياة البرزخية، مؤكدًا أن الأنبياء والأولياء أحياء بوجه من الوجوه، وأن طلب الدعاء منهم لا ينافي التوحيد.

نقد حاد في مطلع القرن العشرين

في مطلع القرن العشرين، اتخذ النقد طابعًا أكثر حدة مع المفكر والشاعر جميل صدقي الزهاوي، الذي وصف الوهابية بأنها فرقة متشددة تميل إلى تكفير المسلمين واستباحة دمائهم، منتقدًا اعتمادها على تفسير حرفي للنصوص وإقصائها لبقية المدارس الإسلامية.

استمرار الردود… دفاع عن وحدة الأمة

تواصلت الردود مع علماء آخرين مثل محمد الحسين كاشف الغطاء، الذي دافع عن مشروعية بناء القباب على القبور، مستندًا إلى عمل المسلمين عبر العصور، ومحمد جواد البلاغي، الذي قدّم ردودًا مركزة على قضايا التوسل والزيارة والتبرك.

خلاصة المشهد

تكشف هذه المواجهة الفكرية أن علماء العراق لم يتعاملوا مع الدعوة الوهابية بردود عاطفية، بل واجهوها بمنهج علمي قائم على:

  • تفسير النصوص ضمن سياقها.
  • التمييز بين العقيدة والممارسة.
  • رفض التكفير والتشدد.
  • التأكيد على وحدة المسلمين وبذلك، شكّل الموقف العراقي نموذجًا في إدارة الخلاف الديني بالحجة والبرهان، في وقت كانت فيه الانقسامات تهدد بنية المجتمع الإسلامي
نعم
هل اعجبك المقال