#مؤسسة_الوافي_توثق
حكاية عائلة من بابل أرهقها السجن في زمن النظام البائد
في عصر أحد أيام عام 1981م، كان الهدوء يخيّم على قضاء جبلة في محافظة بابل، في ذلك البيت البسيط، كانت حسنة، ابنة الثمانية عشر عاماً، تتطلع إلى غدٍ واعد، وهي ترعى والدها التسعيني الذي أنهكه المرض وأثقلت كاهله السنون.
فجأة، تكسّر ذلك الهدوء بطرقات عنيفة على الباب واقتحام البيت من قبل رجال الأمن، واقتيدت العائلة بأكملها وسط ذهول ورعب لم يمهلهم فرصة الفهم. لم يُخبَروا بالسبب، لكن التهمة الجاهزة كانت تتردد همساً بين الشفاه الخائفة: "التبعية الإيرانية" — تهمة كانت كفيلة وحدها بانتزاع المواطنة والأمان في لحظة واحدة، دون محاكمة ودون دليل.
بدأت رحلة العذاب والتنقّل بين المعتقلات، من مركز جبلة، إلى الطهمازية، فالمحاويل، وصولاً إلى المحطة الأشد قسوة: مديرية أمن بابل. هناك صدر الأمر بعزل النساء عن الرجال، فتملّك القلق قلب حسنة: كيف لجسد والدها النحيل التسعيني أن يتحمّل بطش السجّان؟ وظلّت أسئلتها معلّقة بلا جواب، سوى صدى بكاءٍ مكتوم يتسلل عبر جدران الزنازين.
مرّت ثلاث سنوات كاملة من عمر الشباب، أُهدرت خلف القضبان بلا ذنبٍ ارتُكب، وفي عام 1984م، جاء قرار الإفراج المفاجئ وخرجت حسنة وعائلتها بأجسادٍ منهكة وأرواح أتعبها الانتظار، لكن عزاءهم الوحيد كان أملاً واحداً: العودة إلى البيت والذكريات.
ساروا متلهّفين نحو ديارهم في جبلة، لكن الصدمة كانت تنتظرهم هناك حيث لم يكن هناك بيت، فقد هدمت السلطات منزلهم بالكامل، في محاولة لمحو كل أثرٍ لوجودهم، وكأنّ الجدران أيضاً وجب أن تُعاقب.
وقفت حسنة وعائلتها وسط الركام؛ لقد استردّوا حريتهم، لكنهم وجدوا أنفسهم بلا مأوى، لتبدأ من قلب ذلك الحطام رحلة أخرى: رحلة الشتات، وضياع الحقوق التي لم تُستردّ بعد.








