في ذاكرة السنوات الثقيلة من تاريخ العراق، تبرز حوادث صغيرة في ظاهرها، لكنها تختزل طبيعة مرحلة كاملة.
ففي العاشر من تموز عام 1984، وداخل أحد السجون، تحوّل (قاسم رحمه عبيد) إلى متهم لا لأنه حمل سلاحًا أو قاد تمرّدًا، بل لأنه كان ممسكًا قلمًا بيده، ويقوم بشطب أسماء تعود لقيادات في السلطة كانت مكتوبة في الجريدة.
في ذلك الزمن، لم تكن الرموز مجرد أسماء، بل خطوطًا حمراء لا يجوز الاقتراب منها.
وما إن لوحظ هذا التصرف، حتى بادر بعض من كانوا معه إلى التبليغ عنه، في مشهد يعكس كيف كان الخوف يصنع الوشاية، ويحوّل الإنسان إلى رقيبٍ على أخيه.
أُحيل الرجل إلى محكمة الثورة، التي ترأسها القاضي عواد البندر، ليُعاد تفسير الفعل ضمن سياق سياسي مشحون بالشك.
لم يُنظر إلى ما قام به كتصرف عابر، بل جرى اعتباره مساسًا بهيبة الدولة ورموزها، وهو ما أدرج تحت طائلة المادة 225ق ع، التي كانت تستعمل لمعاقبة ما يُفسَّر على أنه إهانة أو تجاوز على الدولة ورموز السلطة.
وهكذا، صدر الحكم، لا على فعلٍ بحد ذاته، بل على دلالة أُسقطت عليه في زمنٍ كانت فيه النوايا تُحاكم قبل الأفعال.
تكشف هذه الحادثة كيف يمكن لقلمٍ صغير أن يتحوّل إلى دليل إدانة، وكيف كانت الحياة داخل السجون، كما خارجها، محكومة بمنظومة من الخوف والرقابة والاستبداد والقتل.
إنها قصة وثقتها مؤسسة الوافي للتوثيق والدراسات لتبقى شاهدة على جرائم النظام الصدامي المجرم على مر التاريخ وتختصر واقعًا كانت فيه المسافة بين حركة يدٍ عفوية ومصيرٍ غامض أقصر مما يُتصوّر، وزمنٍ أصبحت فيه أبسط التفاصيل كفيلة بأن تغيّر حياة انسان بالكامل.








