البحث المتقدم

البحث المتقدم

٢٩ رجب ١٤٤٧

 العتبة العبّاسية المقدسة… رؤى علمية لترسيخ الحراك الثقافي وصون الذاكرة

  في ظلّ التحولات المعرفية المتسارعة وما تفرضه من تحديات على الهوية والذاكرة الجمعية، تبرز العتبة العبّاسية المقدسة بوصفها صرحًا علميًا وثقافيًا فاعلًا، يسعى إلى ترسيخ الحراك الثقافي على أسس رصينة، تستند إلى البحث العلمي والتخطيط المنهجي؛ إذ أدركت العتبة أهمية الثقافة بوصفها عنصرًا محوريًا في بناء الوعي المجتمعي وصيانة الإرث الحضاري، فعملت على إطلاق رؤى علمية متكاملة تُعنى بإحياء الذاكرة، وتوثيق التجربة الإنسانية، وربط الماضي بالحاضر في إطار معرفي متوازن.

وانطلاقًا من مسؤوليتها الرسالية، تبنّت العتبة العبّاسية المقدسة مشاريع ومبادرات ثقافية وفكرية تسهم في حفظ الذاكرة التاريخية وتعزيز الحضور الثقافي الفاعل، عبر دعم الدراسات، وتشجيع البحث، واحتضان الأنشطة العلمية التي تُسهم في إنتاج المعرفة وتداولها. وبذلك، تؤكد العتبة دورها الريادي في بناء مجتمع واعٍ، متجذّر في قيمه، ومنفتح على آفاق العلم والثقافة.                                         

إنشاء قسم الشؤون الفكريّة والثقافيّة

هو أحد أكبر أقسام العتبة العبّاسية المقدّسة، أُنشئ مطلع عام 2006 بعد إقرار قانون العتبات المقدّسة في الدستور العراقيّ رقم 19 لسنة 2005، وضع القسمُ في صميم رؤيته نشر فكر آل البيت (عليهم السلام)، وإحياء التراث الإسلاميّ المخطوط وغيره من العلوم، وتنشيط حركة البحث العلميّ، وترصين الوعي الأسريّ والاجتماعيّ وفق العقيدة الإسلاميّة السمحاء.

تتضمّن استراتيجيّةُ القسم رفع المستوى الفكريّ والثقافيّ بشكلٍ أمثل، والوصول إلى كافّة الشرائح لتغذيتها بكلّ ما هو نافع، على المستوى الدينيّ والأسريّ والاجتماعيّ والثقافيّ، وبناء علاقات تبادل خبرة مع الشرائح الدينيّة والمثقّفة والأكاديميّة، وتبنّي ونشر كلّ ما هو جديد ورصين ويتناسب مع أفكار الشريعة الحقّة، والمساهمة في إحياء التراث. يضمّ القسم العديد من المراكز المتخصّصة التي تقوم بمختلف الأنشطة الثقافيّة، ويتبنّى مجموعةً من الأنشطة والمشاريع التي تشمل تنظيم المؤتمرات العلميّة، الندوات الثقافيّة، وإصدار المجلّات والنشرات الفكريّة، ويُعنى بتطوير الفهم الصحيح للقِيَم الإسلاميّة من خلال التعليم والإعلام.

وسعى القسمُ منذ تأسيسه إلى العمل على دعم كلّ المنتجات الفكريّة والثقافيّة، وترقية المضمون المعرفيّ وإقامة المحافل الثقافيّة والعلميّة والمؤتمرات، واستثمار التكنولوجيا في إيصال فكر وثقافة أهل البيت (عليهم السلام)، إلى أبعد نقطةٍ في المعمورة.  

مؤسّسة الوافي للتوثيق والدراسات

تعمل المؤسّسةُ على تقديم خدماتها للباحثين والقرّاء وذوي الاختصاص، من خلال توثيق وتحليل الأحداث التاريخيّة المعاصرة، لتكون مصدراً لاستسقاء المعلومة الدقيقة، بما يحفظ تراثنا وهويّتنا وفق أسسٍ ودراساتٍ علميّة وفكريّة رصينة. تُعنى المؤسّسة بأرشفة وتوثيق إصداراتٍ متخصّصة، توثّق أبرز القضايا الخاصّة بالساحة العراقيّة من مختلف المحاور للأجيال القادمة، وتحليل المعلومات التي ترد من خلال الرصد والمصادر الخاصّة وتقديم معلوماتٍ مفصّلة للمؤسّسات والباحثين، فضلاً عن نشر الإصدارات الورقيّة والإلكترونيّة، ومن أهمّ إصداراتها هي موسوعة فتوى الدفاع الكفائيّ المقدّسة، التي توثّق مرحلةً مفصليّةً من تاريخ العراق الحديث. عملت عبر لجانٍ علميّة متخصّصة في التحقيق والفهرسة والتوثيق، على توثيق التراث الدينيّ والثقافيّ والفكريّ لمدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، وحفظ النتاج المعرفيّ لعلماء ومفكّري الشيعة، وإعادة نشره بأسلوبٍ علميّ ومنهجيّ، وجمع وتحقيق وطباعة المخطوطات، والوثائق النادرة، والنتاجات الفكريّة المغمورة، وإنتاج موسوعاتٍ علميّةٍ وسِيَر شخصيّاتٍ مؤثّرة في التاريخ الإسلاميّ الشيعيّ، وأصدرت كتبًا ومجلّات محكّمة في مجالات العقيدة، الفكر، التاريخ، والدراسات المقارنة. لديها مشاريع توثيقيّة كبرى تشمل الأرشفة الرقميّة للتراث الشيعيّ في العراق وخارجه، وإحياء الذاكرة المعرفيّة للتشيّع وتقديمها للأجيال القادمة بلغةٍ معاصرة، والحفاظ على الهويّة الإسلاميّة الأصيلة بمواجهة محاولات التحريف أو التغييب.

إقامة المراكز البحثية المتخصّصة والمكتبات والمشاريع الثقافيّة

العتبة المقدّسة ومنذ سنواتٍ حرصت على إنشاء المؤسّسات المختصّة، من مراكز بحثيّة ومكتباتٍ ومشاريع مختلفة، أسهمت بشكلٍ ملحوظ في رفد الساحة الثقافيّة بالعديد من النتاجات العلميّة والأدبيّة، فضلاً عن تسهيل عمل الباحثين والأكاديميّين وغيرهم.

- مركز الكفيل للترجمة:

 يُعدّ المركز مؤسّسةً ثقافيّةً وفكريّةً، تعمل على ترجمة إصداراتٍ دينيّة وأخلاقـيّة وكلّ ما له ارتبـاطٌ وثيق بتراث أهل البيت (عليهم السلام) وسيرتهم وفكرهم، وفي مختلف العلوم من السيرة والعقيدة والفقه وغيرها من كتبٍ ومقالاتٍ ومجلّاتٍ وصحف، بما يتطابق ورؤية العتبة المقدّسة ويتوافق مع ذوق لغة هذا البلد أو خصائصها، كما يعمل المركز على الترجمة باللغات الأكثر تداولاً في شعوب العالم، وهي (الإنكليزية، الفرنسية، الإسبانية، الاوردية، التركية، الروسية، والآذرية)، التي يشكّل الناطقون بها نصف سكّان العالم تقريباً، ثم تنتقل (للصينية والألمانية والبرتغالية والملاوية والفارسية) كمرحلةٍ ثانية، حيث يشكّلون ربع العالم، ثم (الإيطالية والسواحلية والعبرية)، ويمكن لاحقاً (مع الإمكان) استحداث اللغات قليلة التداول كالهولندية الولوفية.

                                     

- مكتبة ودار مخطوطات العتبة العبّاسية المقدّسة:

 تضمّ المكتبة نحو 5 آلاف كتابٍ ومجموعة من المخطوطات التراثيّة النادرة، وتقدّم خدماتها للمستفيدين والباحثين من مختلف التخصّصات الأكاديميّة والعلميّة، من خلال خدمات المكتبة والجولات الإرشاديّة وتدريب المستفيدين، إضافة إلى خدمات البحث في الفهرس الإلكترونيّ، والبحث والإيداع بالمستودع الرقميّ، والإعارة، والتصوير، وتوصيل الملفّات، وغيرها.

                                   

- مكتبة أمّ البنين (عليها السلام) النسويّة:

 تهدف إلى دعم الحركة العلميّة النسويّة الإسلاميّة عبر أنشطتها الثقافيّة المتنوّعة، وهي من أوائل المكتبات النسويّة الرئيسة في العراق، والرائدة بمصادر المعلومات من الكتب التي تربو على 45 ألف كتابٍ، والدوريّات القديمة والحديثة الورقيّة والإلكترونيّة، وتحتوي على النوادر والأصول التي لا توجد في أيّ مكتبةٍ أخرى، كما تضمّ مركزًا لإيداع الكثير من الرسائل والأطاريح الجامعيّة التي يُعِدُّها طلبةُ الدراسات العُليا في عموم الجامعات العراقيّة.

                                     

- مركز الدراسات والمراجعة العلمية:

 وهو مركزٌ يُعنى بتقديم الدراسات والإصدارات الفكريّة والثقافيّة، يسعى إلى تعزيز ثقافة القراءة وإغناء المكتبة بالموضوعات الفكريّة والدينيّة، لا سيّما ما يتعلّق بالشخصيّات المُلهِمة والمؤثّرة من أجل تحصين الثقافة الإسلاميّة لدى مجتمعنا، والسعي لتقديم عنايته الفكريّة والتوعويّة المجتمعيّة في كلّ فرصةٍ تُتاح له.

- المركز الإسلاميّ للدراسات الاستراتيجية:

 يعمل هذا المركز على وضع خططٍ وبرامج استراتيجيّة في المجال الدينيّ والثقافيّ، بالاعتماد على الماضي ودراسة الحاضر والتطلّع نحو المستقبل، لتحسين الوضع المجتمعيّ ومعالجة المخاطر المُحدِقة، ويضمّ عددًا من الأقسام هي: (المكتبة، الاستشراق، الكلام والعقيدة، الرصد، الفكر المعاصر، الدراسات الغربيّة، قناة العقيدة، الموقع الإلكترونيّ).

                                         

- مركز العميد الدوليّ للبحوث والدراسات:

مركزٌ بحثيّ علميّ، يسعى لبناء قاعدةٍ علميّة فاعلة في المجتمع الأكاديميّ، تعمل على معالجة المشكلات وتفعيل الطروحات واستنهاض الطاقات بما يخدم الإنسان والمجتمع، والعمل على توطيد العلاقات وتوثيق التعاون العلميّ والفنّي بين الكفاءات البحثيّة، وإتاحة الفرصة للتفاعل بين الباحثين والتنسيق بين أفكارهم وآرائهم واستثمار طاقاتهم للوطن والصالح العام، إضافة إلى المساهمة في تنشيط الأبحاث العلميّة وتشجيعها، عن طريق النشر والمحاضرات والندوات والمؤتمرات العلميّة، والقيام بتبادل المعلومات بين المركز والمؤسّسات العراقيّة الرسميّة.

                                        

- مشروع حفظ النتاج العلميّ العراقيّ:

 هو من المشاريع الوطنيّة التي تستهدف جميع النتاجات العلميّة التي لا تتوفّر منها نسخٌ إلكترونيّة لأبناء العراق بمختلف أنواعها (كتب، أطاريح ورسائل جامعيّة، بحوث، مقالات، براءات الاختراع، أوراق المؤتمرات، وورش العمل)، ويهدف إلى الحفاظ على جزءٍ مهمّ من الإرث العلميّ العراقيّ، وضمان سلامة الأطاريح والرسائل الورقيّة من التلف الكلّي أو الجزئيّ، جرّاء كثرة استعمالها أثناء مطالعتها من قِبل الباحثين، إضافة إلى تحقيق السرعة والمرونة في التعامل مع المواد المكتبيّة، ممّا يوفّر الوقت والجهد على الباحثين، وسهولة عمل نسخٍ للمصوّرات لحفظها في أماكن متعدّدة (في حقيبة صغيرة مثلاً) لغرض تأمينها، وخزن النتاجات العلميّة التي تمّت رقمنتها على وسائط خزنٍ طويلة العمر.

- مركز الفهرسة ونُظُم المعلومات:

 يسعى المركز لتعزيز سُبل التعاون بين المكتبات في العراق من جهة، ومثيلاتها في العالم من جهةٍ أخرى، والمساهمة في الارتقاء بمستوى الخدمات المقدّمة للمكتبيّين والمهنيّين والباحثين لتوفير البيانات والمعلومات الدقيقة الخاصّة بقطّاع المكتبات العراقيّة، ويعمل على فهرسة المواد غير التقليديّة مثل الطوابع وفق قواعد الفهرسة العالميّة الحديثة (RDA) وحسب نظام (MARC 21) لمسح غبار الزمن عنها.

                                             

وفي الختام، تؤكد العتبة العبّاسية المقدسة من خلال رؤاها العلمية ومشاريعها الثقافية المتنوعة أن ترسيخ الحراك الثقافي وصون الذاكرة ليسا عملًا آنِيًا، بل مسارًا معرفيًا مستدامًا يتطلب وعيًا وتخطيطًا وجهدًا مؤسسيًا متواصلًا. إن ما تقدّمه العتبة من مبادرات علمية رصينة يعكس حرصها على حفظ الإرث الثقافي والإنساني، وتعزيز الهوية، وبناء جسور فاعلة بين الماضي والحاضر، بما يسهم في صناعة مستقبل ثقافي أكثر وعيًا وثباتًا، ويجعل من الذاكرة منطلقًا حيًا للتجديد والبناء.

مواضيع ذات صلة