البحث المتقدم

البحث المتقدم

جرائم وانتهاكات حزب البعث في العراق (الإخفاء الحر)

2 تقييم المقال

جرائم وانتهاكات حزب البعث في العراق

 

(الإخفاء الحر)

 

د. رائد عبيس

 

انفتحت بعد سقوط النظام البعثي في العراق أسرار الصندوق الأسود لكل أرشيف البعث، وتبيّنت حقائق من الجرائم والانتهاكات لم تكن معلومة لعامة الناس، بل كانت مقتصرة على الضحايا. وبما أن توصيات البعث وتهديداته لكل الذين ينجون من تعذيبه وأهاليهم كانت تقضي بكتمان ما يتعرضون له، ومنعهم حتى من كشف تلك الانتهاكات إلى أقرب أفراد عائلتهم، وبما أن الناس تخشى تكرار مأساة التعذيب، تبقَى ملتزمة الصمت، وتتجنب البوح بكل المآسي التي تعرضوا لها. حتى أولئك الذين ينجحون بالهروب إلى خارج العراق، يتكتمون عن كل ما كانوا يتعرضون له ـ خوفاً على أنفسهم وأهليهم الذين تركوهم في العراق.

كانت أعداد أمثال هؤلاء تصل إلى المئات من الآلاف، وكل منهم لديه قصة عن تلك الجرائم التي تلقوها بقسوة مفرطة ووحشية متناهية. بالتأكيد لا يمكن أن تصل منظمة أو مؤسسة حقوقية إلى جميع القصص وتدوينها وتوثيقها، إلا أن وجود نماذج منها وكشف الحقائق المقترنة بتلك الأيام المجحفة في زمن حكم البعث على العراقيين ، وضحت طبيعة تلك المرحلة التي اتسمت بأبشع زمن مر على العراقيين من حيث القتل والانتهاكات التي زرعت الخوف في نفوس الناس إلى اليوم، وأورثت آلاماً وخوفاً ورعباً من كل شكل من أشكال الاستبداد والظلم مهما كان حجمه، وخوفاً من السلطة وممارساتها، وخوفاً من المجتمع الذي ساعد على توسعة هذا الظلم من خلال تحول كثير من أفراده إلى أداة تنفيذ بيد البعث وعناصره الإجرامية.

وعُرف بالمصطلح القانوني، ولجزء من انتهاكات السلطات والجماعات التابعة للحكومات، ما يُعرف بـ (الإخفاء القسري)، والذي تقوم به السلطات الجائرة باعتقال الأفراد وتغييبهم إلى الأبد أو ألا تكشف عن مصيرهم بعد مدة طويلة، وتعتم على مصيرهم ليتحول إلى مصير مجهول، يعاني جراءه الأهالي من البحث والسؤال والتعقب، ودفع الأموال من أجل أن يحصلوا على أي طريق لمعرفة مصيره. ولكن بما أن السلطات المستبدة ترفض أن يُكشف عن مصيره، يبقى مصيره مرهوناً بقبول السلطة. وكثيراً ما يتحقق هذا الأمر مع الأفراد الذين يتمتعون بتأثير اجتماعي معين أو يُخفون نتيجة اعتقالات عشوائية ، أو إعدامات ، أو مقابر جماعية ، أو الموت في السجون من دون كشف عن مصيرهم.

تعرض الآلاف لمثل هذا الانتهاك الخطير؛ كان نظام البعث قد ارتكب جرائم كبيرة جداً على هذا المستوى. ونتيجة لما عُرف عن تلك الأنظمة هذا النوع من ضياع مصير الناس، حُدّد هذا المصطلح ليشير إلى تلك الجريمة.

ولكن ما هو غير محدد هو أن تدفع تلك الجرائم البعثية والضغط الأمني على الناس إلى أن يدفعهم الى الدخول في معترك ما يمكن أن نصطلح عليه بـ (الإخفاء الحر)؛ وهو ذلك الإخفاء الذي يختاره المرء لنفسه نتيجة القلق والخوف وخطورة التهديد والتعقب الدائم والمراقبة والإعدامات التي يتوقع أن تطالهم فضلا عن التعذيب. فهو نوع من التحدي للسلطة والرهان مع الذات على ألا يسمحوا لهذا النظام المجرم أن ينال منهم، فيقرروا الاختفاء عن الأنظار والتواري عن الناس والتنكر بالزي أو الاسم أو السكن أو بالجنس وغيرها من الأساليب التي يراهن الأفراد عليها أن تحميهم من وسائل كشف النظام لهم. فهو (إخفاء حر) ولكن ناتج عن ظروف قسرية تدفعهم إلى هذا الملجأ.

تناقلت الشهادات الحية عن هذه التجربة الأمنية التي يلجأ لها الأفراد لحماية أنفسهم تحت خيار (الإخفاء الحر) من بطش النظام قصصاً من هذا الأمر.

كانت القصة الأولى لأم فقدت زوجها وأولادها فلم يبقَ لها سوى ابن واحد فقط، كانت حريصة ألا تباد هذه العائلة أو ينقطع نسلها، وهذا الحرص كان مقترناً بلوعة أم فقدت أبناءها، ولشدة حنانها وعطفها وخوفها على ما تبقى لها، اختارت لابنها أن تخفيه عن الناس، ولم تكتفِ بذلك، فقد أعلنت فقدانه حتى يدخل اليأس إلى كل من يعرفونه من أهل وأقارب وجيران وحتى سلطات الأمن، فأخذت تخبر دوائر الأمن والحزب على أن ابنها خرج ولم يعد، وسوقت لهذا الإخفاء حتى اقتنع الجميع على أن ابنها لم يعد موجوداً أو على قيد الحياة. ولكن في الحقيقة هي كانت قد أخفته في سرداب بحديقة المنزل يتراوح بينها وبين مخبأ آخر وسط البيت، ولم يخرج من هذا المخبأ الحر طيلة عشرين عاماً حتى سقط النظام، فأعلن عن نفسه، وخرج في يوم سقوط النظام بالشارع مبتهجاً بسقوط النظام من جهة وبنجاحه في حماية نفسه طيلة هذه المدة من ملاحقات النظام.

والقصة الأخرى لرجل قد اختار -على علم عائلته- مخبأ وسط البيت استمر التخفي به طيلة 22 سنة حتى كشف عن نفسه بعد سقوط النظام في حالة من دهشة الأقارب والأهل والجيران والمعارف.

وهناك قصص كثيرة كان قد نجح بها أفراد في حماية أنفسهم بـ (الإخفاء الحر) من تعقب النظام لهم ومراقبة عناصره لهم، مثل التخفي في الأهوار، والأراضي الزراعية، والبساتين، وتغيير الأسماء، أو تغيير المساكن، وغيرها من الحيل التي يلجأ لها المطلوبون من قبل النظام حتى لا يقعوا فريسة بين فكاك وسائل تعذيبه.

وعند التمعن في هذه القصص، سوف نجد ما يفسر هذا السلوك والخيار الذي يدفع الأفراد إلى اللجوء لهذا الأمر غير ما كان يقع من بطش شديد وانتهاك خطير لحق الحياة، فـ (الإخفاء الحر) هو خيار إجباري في الواقع عن واقع مكره ومليء بالجرائم والانتهاكات التي تمارسها السلطة، ومن دون مراعاة لأي قواعد أو قوانين حقوقية تجعلهم في مأمن مما يلجؤون إليه.

فالإخفاء -سواء كان إجبارياً أو قسرياً- مادام كان ناتجاً عن سلطة قهر، فهو في الواقع انتهاك لحق حياة الأفراد؛ فكان الأفراد الذين لجأوا لذلك قد منعوا أنفسهم من حق التعليم، وحق الزواج، وحق العمل، وحق الحرية، وحق الانفتاح على المجتمع، وحق تلقي العلاج -حيث كان بعضهم يمرض فلا يتمكن من مراجعة الطبيب-، وحقهم في كل ما يؤمنهم ويمتعهم بالسكينة العامة التي تجعل من الحياة أمراً ممكناً، بل كان الواقع يشير إلى تحدٍ ملموس وخطر محدق يهدد الحياة الشخصية لمن اختار التخفي أو عائلته أو من يكتم تستره عليه.

هكذا كانت الحياة في زمن البعث خياراً بين نارين انتهت إلى تعطيل الحياة العامة، وتلكؤ فرص النمو الاجتماعي، بل وانعدام فرص كثيرة منها، لا سيما عندما نتخيل موت مليون إنسان عراقي ضحية لهذه الجرائم والانتهاكات؛ فما حجم الحياة التي تعطلت نتيجة غياب هذا العدد الكبير ! ومنهم كفاءات في العلم والفن والعمل؟ فأي حياة تلك التي خلفها حزب البعث للعراقيين؟ وأي دمار طال هذا الشعب الذي عطل كل مواهبه، ليفكر فيما ينجيه من سياسة إجرامية كانت تمارس بحقه؟!بل كان يعمد إلى قتل هذه المواهب المعلنة ليلحق بما تعطل من قدرات الأفراد الذين وقعوا بين مصير الإخفاء القسري، أو اللجوء إلى الإخفاء الحر من أجل السلامة.

نعم
هل اعجبك المقال