الدكتور رائد عبيس
لم يكن معروفًا عن جرائم النظام البعثي البائد أنه كان يستعمل فيها الأكياس السوداء في تنفيذ عمليات القتل والاغتيال أو جرائم الإبادة الجماعية التي ينفذها.
كشفت تجارب فتح المقابر الجماعية في العراق أن أغلب الضحايا كانوا قد دفنوا بملابسهم المدنية وقليل منهم بزيهم العسكري! لم يكن النظام البعثي القاتل مهنيًا في قتله للأبرياء من عدم معارضين ويستحقون منه التصفية أو الإبادة.
كان يمارس معهم القتل بطريقة شعبية وعشوائية وكيفما اتفق، فضحاياه كان يستخسر فيهم استعمال أكياس سوداء لحفظ الجثة أو على الأقل التستر على جنايته، فكان ينقلهم في كثير من الأحيان في صناديق السيارات أو في متن سطح سيارات الحمل أو يرمون في توابيت خشبية من دون وسائل حماية! وهذا قمة الاستهتار بكرامة الضحية، بينما نجد في دول أخرى حتى مافيات القتل تستعمل مثل هذه الأكياس في حفظ جثث قتلاهم حين نقلها ، أو رميها في مكان مجهول، أو في حفظها لوقت أطول.
وهذا يُشير الى الطرق الهمجية في التعامل مع الضحية ، وعدم احترامها تمامًا وعدم التحفظ على سلامة رفاتها ، ودليل ذلك طرائق وأساليب التعذيب والقتل التي كانت تمارس في السجون ومعسكرات التعذيب بحق الضحايا ، فضلا عن أفكار الإبادة التي لم تفارق خطاب قادة النظام البعثي تهديدًا ووعيدًا لكل من يخالف البعث ، فكانت الجملة بالتهديد الشهيرة للمجرم المقبور صدام حين قال مهددًا أعداء حزب البعث ولو همسًا ( قسمًا بالله إلا أطره بيدي أربع وصل ) هكذا كان يتوعدون الضد النوعي لسياستهم وتوجهاتهم فما بالك ، هل يفكرون باحترام من يحكمون بموتهم بعد أن يكونوا موتى!؟ الجواب يكون مع الآلاف الذين دفنوا عشوائيًا في قبورهم الجماعية التي كانت في الأصل خنادق حفرتها الاليات بشكل سريع او مسبق لاستقبال الضحايا!
مضت سنين طويلة حتى يخلع الضحايا ملابسهم لينقلوا بعدها إلى (الأكياس العدلية) وهي أكياس بيضاء وزرقاء، تختلف في رمزيتها عن الأكياس السوداء التي تشير إلى الجريمة أو العتمة أو التستر، بينما تشير الأكياس العدلية إلى لون الشفافية والوضوح والدقة والعينة واكتشاف التلوث وظهور الأعراض من على الرفات بسهولة وغيرها من الأسباب التقنية والطبية التي يفضل بها الطب العدلي استعمال اللون الأبيض أو الأزرق، وهناك رمزية أكثر أهمية توحي بأن الرفات أصبحت عينة طبية فحصية دخلت حيز الإعداد الجنائي الطبي الذي يبحث عن حقيقتها عبر فحص الحمض النووي وما يلحقها من إجراءات جنائية وطبية، فهي مرحلة ليست عابرة في المنظار العام، بل هي مرحلة أكثر عمقًا في البحث عن طبيعة هذه الرفات وسط محتويات هذه الأكياس التي تتحول إلى بيانات طبية وجنائية وقضائية رسمية تكسب صفة الحماية بحكم القانونية لكل ما تحتويه هذه الأكياس ، فمرحلة دخول الرفات لهذه الأكياس يعني أن هذه الرفات تحصنت شرعيًا حيث الأسرار الخاصة بكل رقم جيني وأنثروبولوجي لهذه الرفات ، تتحول من رفات مكشوفة إلى حقيقة عملية مصونة ، من كيس يُحمل إلى عينة تَحمل خفايا الجريمة والأصل الإنثروبولوجي لها، كما تتحول هذه الرفات من رهينة أسرار الجاني وخفاياه إلى عهدة النظام والقانون والحماية الشرعية لها، وهذا ما كان يحدث بالفعل عندما يخبر الجناة من عناصر النظام البعثي ممكن يلقى عليهم القبض عن مقبرة جماعية كانوا قد نفذوها.
فتبقى مثل هذه المقابر ومصير ضحاياها رهينة ذاكرة هؤلاء المجرمون، وبعد العثور على مقبرة منها ، تكون هذه العينات في مرحلة الكشف الجنائي والطبي ومن ثم قيد القرار القضائي الذي يحدد مدى شرعية التعامل مع هذه الرفات ؟ ومتى تفحص ؟ ومتى تسلم لذويها ؟ ومتى تدفن ؟ يبقون الضحايا - الرفات يتنقلون في أكياسهم بين هذه الإرادات والإجراءات الإدارية والقضائية إلى أن يوضعوا أخيرًا في أكفان شرعية كانوا قد حرموا منها عقودًا طويلة حتى ارتدوها وفقًا لأحكام التعامل الشرعي مع الرفات – الضحايا في مرحلة أخيرة من التكريم الذي يستحقونه كأموات في مثواهم الأخير.







تقييم المقال

