جرائم وانتهاكات نظام البعث في العراق
لحقوق المرأة
"النفساء المفقودة"
د. رائد عبيس
يوثق السيد صاحب الحكيم شهادة في كتابه (تقرير عن اغتصاب ، وقتل، وتعذيب واعتقال اكثر من 4000 إمرأة في بلد المقابر الجماعية العراق) نقلت عن زوجته الدكتورة بيان الأعرجي التي شاركته مشروع التوثيق في مهمته الإنسانية برعاية ضحايا النظام البعثي ومتابعة حالاتهم، ومعالجة شؤونهم قانونياً عبر رحلة الهجرة والتنقل بين البلدان بسبب ملاحقات عناصر البعث لهم.
وذَكَر عنها قولها بعد رجوعها من عملها في ردهة الولادة بمستشفى الفرات الأوسط في قضاء الكوفة، وقد بدت عليها علامات الحزن والضيق، فسألها: "ما بكِ؟ هل آذاكِ أحد؟" فقالت بغضب وانفجرت باكية: "نعم.. المريضة الفقيرة التي قمت بتوليدها هذا اليوم.. اعتقلتها شرطة الأمن!".
سأل السيد الحكيم زوجته المباركة مستغرباً: "ولماذا؟"، فقالت: "عندما أنجبت اليوم ولداً معافى، هنأتها الممرضات والمريضات الأخريات، ولا سيما أنها ولدت ذكراً، والعراقيون يفرحون بالذكور أشد الفرح. ولكن هذه الأم كانت الوحيدة التي لم تفرح -على غير المعتاد- وكان جوابها للمهنئات بعفوية: (وماذا يفيد الولد؟ سيكبر ويأخذه صداح للحرب -تقصد صدام حسين- وسيجلب مقتولاً.. ليتني ولدت بنتاً!).
وصل الأمر إلى مسامع أمن مدينة الكوفة، فجاء الجلاوزة إلى ردهة الولادة، واعتقلوا الأم وابنها الوليد الذي لم يتجاوز عمره ساعة واحدة!
ولما جاء زوجها المسكين بعد الانتهاء من عمله اليدوي كعامل فقير إلى المستشفى لزيارتها والاطمئنان على سلامتها، لم يجدها في الردهة، وحين سأل عنها مستفسراً، لزمت الممرضات الصمت خوفاً، وإذا بجلاوزة الأمن -الذين كانوا بانتظاره- يعتقلونه هو الآخر.. فاختفى الجميع، ولا يعلم أحد حتى اليوم شيئاً عنه، وعن زوجته، وطفله الرضيع.
إن طبيعة الانتهاكات الحقوقية في هذه الحالة تنطوي على مصادرة صارخة لحق التعبير عن الرأي، وانتهاك حق مريضة في تلقي الرعاية الطبية اللازمة، وانتهاك حق الطفل الرضيع في الحفاظ على سلامته وحياته. فضلاً عن انتهاك حرمة مؤسسة صحية يفترض أن تكون في مأمن من الرقابة الأمنية، وتحفظ خصوصية المرضى، بدلاً من زرع العيون والجواسيس للوشاية بنفَساء من على سرير مرضها.
لقد كان هذا الاستخفاف بكرامة الناس وأمنهم وسلامتهم أمراً اعتاد عليه الشعب العراقي في زمن حكم البعث البائد.




تقييم المقال
