جرائم وانتهاكات نظام حزب البعث في العراق
"الرهينة"
د. رائد عبيس
اعتاد النظام البعثي في العراق أن يتصرف خلافاً لكل القوانين العقابية، فقد كانت الأساليب الأمنية أساليب عصابات أكثر منها أساليب إجرائية قانونية تخضع لضوابط قضائية اعتيادية. إذ تدربت عناصر الأمن البعثي على عمليات الخطف، والاعتقال، والملاحقات، ومهارات حرب الشوارع والمدن، والاقتحامات وغيرها، بطريقة تخالف مهمتها الأمنية المعتادة في تعلم مهارات الاعتقال وفقاً للقانون وأصول الاستدعاء، أو التدريب على مراعاة حقوق الإنسان والالتزام بالتقاليد الاجتماعية التي تفرض سلوكاً مهنياً معيناً حين تنفيذ مهمة أمنية ما.
فقد عُرف عن العناصر الأمنية اعتقال نساء بملابسهن الخاصة، أو اعتقال الرجال وهم في غرف النوم، أو اعتقال الأطفال بدلاً عن والديهم، أو احتجاز النساء بدلاً من أزواجهن أو آبائهن أو إخوتهن، في حالة اجتماعية غير معتادة في العرف الاجتماعي العراقي أن يتم الاعتداء على المرأة بجريرة الرجل. فما بالك أن يتم اعتقال المرأة وتعذيبها وسجنها واغتصابها أو محاكمتها وإعدامها، وهي في كل الأحوال تكون وأهلها في محط إهانة وعار يلاحق أقاربها نتيجة ما يعرف من انتهاك يطالها عند الاعتقال والاحتجاز.
من الممارسات التي عُرفت عن العناصر الأمنية البعثية، هي أخذ النساء رهينة عن الرجال ممن لهن صلة قرابة به، بوصفها زوجة، أو أختً، أو بنتًا، وقد تمتد إلى ما هو أوسع من أفراد العائلة.
فالرهينة على وفق هذا السياق واحدة من محارم الرجل المطلوب لدى عناصر الأمن البعثية، وتؤخذ إما بسبب هروب الرجل من الخدمة العسكرية، أو انتمائه لتشكيل سياسي، أو وشاية أمنية، أو ممارسته طقوساً دينية ممنوعة، أو تهكمه على النظام ورأس هرمه، أو سخطه من سياسة الحزب، أو هروبه من المعركة في وقت الحرب العراقية الإيرانية أو غزو الكويت، أو مشاركته في مظاهرة أو تجمع أو اجتماع، أو انتمائه للمعارضة، وغيرها مما يعده البعث مصدر خطر على السلطة ونظامها.
لأجل ذلك، لم يُؤخذ للقانون والقيم والأعراف الاجتماعية أي حرمة تُذكر من قبل عناصر حزب البعث؛ فقد كانت ممارساتهم الأمنية تمثل ذروة الاستهتار بكل القيم السماوية ، والاجتماعية ، والمهنية، بحيث تؤخذ "الرهينة" بأي شكل من الأشكال والأحوال التي تُلم بها؛ فإن وجدوا طفلاً، أو مسناً مريضاً، أو امرأة حامل، أو مرضعاً، أو في حالة النفاس، أو في حالة الرقود في المستشفى، فإنها تؤخذ من دون أي مراعاة لأي ظرف يطرأ وفي أي ظرف كان لمن يُستهدف أن يكون رهينة لديهم.
يُذكر لنا السيد صاحب الحكيم في كتابه (تقرير عن اغتصاب، وقتل، وتعذيب واعتقال أكثر من 4000 امرأة)حالات من توثيق هذه السلوكيات الأمنية الإجرامية في معسكر المهجرات العراقيات في جنوب إيران، حيث دُونت فيها شهادة إحداهن، وهي الضحية حنوة عبد الله، إذ تذكر إنها اعتقلت ستة أشهر كـ "رهينة" عن أولادها الأربعة من قبل عناصر الأمن الصدامي بعد أن فتشوا بيتها وبعثروا أثاثه، ومن ثم تم تجريفه بالجرافات وهدموه بالكامل، وهُجرت إلى إيران بعد ذلك.
لا شك أن مثل هذه الانتهاكات كانت سياسة معتادة عند حزب البعث، فقد مارسها بشدة من دون أي اعتبار وطني لأي مواطن عراقي، وأياً كان مكونه، فقد طالت العربي، والكردي، والإيزيدي، والمسيحي وغيرهم. وهي انتهاك صريح لكل ما جاء بالقوانين الحافظة لحقوق الإنسان، مثل:
- القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف:
- تحظر اتفاقية جنيف الرابعة الصادرة عام 1949 في مادتها الثالثة المشتركة، وكذلك في المادة (34)، أخذ الرهائن بشكل قطعي في جميع الظروف.
- تُعتبر جريمة "أخذ الرهائن" وفق نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (المادة 8) جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية عندما تُمارس في إطار هجوم واسع النطاق أو ممنهج موجه ضد السكان المدنيين.
- العهدان الدوليان لحقوق الإنسان:
- تنتهك هذه الممارسات نصوص العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (1966)، ولا سيما المادة (9) المتعلقة بالحرية الشخصية وحظر الاعتقال التعسفي، والمادة (7) التي تحظر التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.
- تخالف مبدأ عدم جواز العقوبة الجماعية، حيث يُعاقب الأبرياء (النساء والأطفال) بجريرة لم يرتكبوها.
ما زالت مثل هذه الحوادث من الارتهان التعسفي تثقل ذاكرة المواطن العراقي عن مراحل حقب الحكم النظام البعثي الإجرامية عند من يقرأ، أو يطلع على هذه القصص، أو من عايشها ودفع ثمنها من عمره ومستقبله.




تقييم المقال

