حين يفسد الغرورُ نورَ العلم
قراءة تربوية في وصية الإمام الصادق عليه السلام لطلاب العلم
زاهر حسين العبد الله
سمعتُ سماحة العلّامة الشيخ علي الجزيري حفظه الله يذكر روايةً يوصي بها سماحة المرجع الأعلى آية الله العظمى السيد علي السيستاني حفظه الله طلابَ العلم، ويذكّر بها المتصدّين منهم للتعليم والتوجيه.
هذه الرواية مروية عن معاوية بن وهب، قال: سمعت أبا عبد الله الإمام الصادق عليه السلام يقول:
«اطلبوا العلم، وتزيّنوا معه بالحلم والوقار، وتواضعوا لمن تعلّمونه العلم، وتواضعوا لمن طلبتم منه العلم، ولا تكونوا علماء جبّارين، فيذهب باطلكم بحقّكم».(١)
وإن كنتُ لا أرى نفسي أهلًا لبيان مثل هذه الرواية العميقة في مضامينها، فإن ما لا يُدرك كلُّه لا يُترك كلُّه؛ ولذلك سأحاول أن أحوم حول حمى معانيها، وأدع الغوص في أعماقها لأهل العلم والاختصاص، وفي مقدمتهم سماحة العلّامة الشيخ علي الجزيري حفظه الله تعالى.
فأقول وبالله التوفيق:
هذه الرواية لا تعلّم طالب العلم ماذا يطلب فحسب، بل تعلّمه كيف يحمل العلم، وكيف يقدّمه للناس، وكيف يحمي نفسه من الغرور الذي قد يتسلل إليه من الباب نفسه الذي دخل منه العلم.
العلم وحده لا يكفي
لم يقل الإمام الصادق عليه السلام: «اطلبوا العلم» ثم سكت، بل قال: «وتزيّنوا معه بالحلم والوقار».
وهذا يعني أن العلم، على عظمته، لا يكفي وحده لصناعة الإنسان؛ فهو يحتاج إلى أخلاق تحمله وتحفظ أثره. وقد يكون الإنسان واسع المعرفة، قوي الحجة، كثير الاطلاع، لكن سرعة غضبه، وتعاليه على الآخرين، وسوء تعامله معهم تفسد أثر علمه وتحجب نوره.
فالعلم إذا لم يهذّب النفس قد يتحول إلى وسيلة للظهور والمفاخرة وإثبات التفوق، بدل أن يكون طريقًا لمعرفة الله تعالى وخدمة عباده.
ومن هنا لا ينبغي أن يكون سؤالنا الوحيد: كم تعلّم الإنسان؟ وكم كتابًا قرأ؟ وكم مسألةً أتقن؟ بل ينبغي أن نسأل أيضًا: ماذا صنع العلم بأخلاقه؟ وهل جعله أكثر تواضعًا ورحمةً وإنصافًا؟
الحلم والوقار زينة العلم
قرن الإمام عليه السلام العلم بالحلم والوقار؛ لأن العالم وطالب العلم يواجهان الاختلاف، وسوء الفهم، والاستفزاز، وربما الإساءة. فإذا لم يكن الإنسان حليمًا، فقد يتحول مجلس العلم إلى ساحة خصومة، ويتحول الحوار إلى نزاع شخصي.
والحلم هنا ليس ضعفًا أو عجزًا عن الرد، وإنما هو القدرة على ضبط النفس عند الغضب، واختيار الكلمة المناسبة في الموقف المناسب، وعدم السماح للاستفزاز بأن يقود الإنسان إلى الظلم أو الإساءة.
أما الوقار فهو أن يحفظ الإنسان أدبه واتزانه، وأن يصون العلم عن الابتذال، من دون أن يتكبر أو يطالب الناس بتعظيمه. فالوقار غير التكبر؛ لأن العالم الوقور يحفظ كرامته وكرامة الآخرين، أما المتكبر فلا يرى الكرامة إلا لنفسه.
التواضع للأستاذ والتلميذ
يقول الإمام الصادق عليه السلام: «وتواضعوا لمن تعلّمونه العلم، وتواضعوا لمن طلبتم منه العلم».
وهذه من أجمل لطائف الرواية؛ لأنها تجعل التواضع قيمةً حاكمة على طرفي العملية التعليمية.
فكما ينبغي لطالب العلم أن يتواضع لأستاذه الذي يأخذ منه العلم، ينبغي للمعلّم أيضًا أن يتواضع لتلميذه الذي يعلّمه. فالتلميذ ليس أقل قيمةً لأنه يجهل ما يعلمه أستاذه، كما أن حاجته إلى السؤال لا تمنح المعلّم حق احتقاره أو السخرية منه.
إن المعلّم الحقيقي لا يشعر بأن التلميذ يقف دونه، بل يراه أمانةً ومسؤوليةً وإنسانًا يستحق الاحترام. وقد يكون سؤال بسيط يطرحه أحد الطلاب سببًا في فتح باب جديد من البحث والتأمل.
وهكذا تتحول علاقة التعليم من علاقة سلطة واستعلاء إلى علاقة تكامل واحترام متبادل.
حين تتحول المعرفة إلى سلطة
يحذّر الإمام عليه السلام طالب العلم من آفة خطيرة بقوله:
«ولا تكونوا علماء جبّارين».
والجبروت العلمي يظهر عندما يستخدم الإنسان معرفته لكسر الآخرين، أو إحراجهم أمام الناس، أو احتقار الجاهل والمخالف، أو جعل مجلس العلم وسيلةً لإظهار تفوقه.
وقد يتوهم بعض الناس أن كثرة المعرفة تمنحهم حق التحكم في الآخرين أو التقليل من شأنهم، مع أن وظيفة العالم ليست استعراض معلوماته، وإنما هداية الناس وخدمتهم وتقريب الحق إلى عقولهم وقلوبهم.
فالعلم رسالة لا سلطة، ومسؤولية لا امتياز، وكلما ازداد علم الإنسان ينبغي أن يزداد شعوره بثقل الأمانة، لا بعظمة الذات.
قد يكون كلامك حقًّا وأسلوبك باطلًا
من أخطر ما ورد في الرواية قول الإمام عليه السلام: «فيذهب باطلكم بحقّكم».
فقد تكون الفكرة التي نطرحها صحيحة، وقد يكون الدليل الذي نملكه قويًّا، لكن الأسلوب المتعالي أو الجارح يجعل الناس ينفرون من كلامنا. وحينئذ لا نخسر الطرف الآخر فقط، بل قد نسيء إلى الحق الذي نحمله.
وهذه مسؤولية عظيمة؛ لأن طالب العلم لا يمثل نفسه وحدها، بل قد يراه الناس ممثلًا للدين أو للمؤسسة العلمية أو للمدرسة التي ينتمي إليها. فإذا صدر منه التكبر أو القسوة أو الاستهزاء، فقد تُنسب أخلاقه إلى العلم الذي يحمله.
ولهذا فليس كل انتصار في النقاش انتصارًا للحق؛ فقد يهزم الإنسان خصمه بالكلام، ويحرجه أمام الحاضرين، ويثبت أن حجته أقوى، لكنه يخسر قلبه ويغلق أمامه باب الهداية.
بل قد ينتصر الإنسان لنفسه وهو يظن أنه ينتصر للحق، فيكون دافعه الحقيقي هو الغضب لكرامته الشخصية، لا الغيرة على الدين والحقيقة.
أخلاق العالم جزء من حجته
الناس لا يستمعون إلى أفكار العالم فقط، وإنما يراقبون سلوكه أيضًا. فهم ينظرون إلى حلمه عند الغضب، وتواضعه عند النجاح، وإنصافه عند الاختلاف، واحترامه للسائل، ورحمته بمن يجهل.
ولهذا ورد عن الإمام الصادق عليه السلام في بيان حقيقة العلماء:
«يعني بالعلماء من صدّق فعلُه قولَه، ومن لم يصدّق فعلُه قولَه فليس بعالم».(٢)
فالعالم الحقيقي هو الذي يشهد سلوكه لعلمه، ويصدّق عمله قوله، وتتحول معارفه إلى حلم وتواضع ورحمة وإنصاف.
أما من يدعو إلى الأخلاق وهو يسيء إلى الناس، أو يتحدث عن التواضع وهو يتعالى عليهم، أو يدعو إلى الإنصاف وهو لا يحتمل المخالف، فإنه يضعف حجته بسلوكه، مهما كانت كلماته صحيحة.
ماذا صنع العلم بأخلاقك؟
قد يحمل الإنسان العلم في ذاكرته، لكنه لم يسمح له بعدُ أن يدخل إلى قلبه ويهذّب نفسه. ولذلك يحتاج طالب العلم إلى أن يقف مع نفسه بين حين وآخر ويسألها:
هل أصبحتُ أكثر حلمًا عند الغضب؟ هل ازددتُ تواضعًا مع أساتذتي وطلابي؟ هل صرتُ أكثر إنصافًا لمن يخالفني؟
هل أحفظ كرامة السائل، ولو كان سؤاله بسيطًا؟ هل أفرح بظهور الحق، ولو ظهر على لسان غيري؟ هل أريد بعلمي هداية الناس، أم إثبات تفوقي عليهم؟
هذه الأسئلة تكشف لنا هل تحول العلم إلى نور في داخل الإنسان، أم بقي معلوماتٍ على لسانه وصفحاتٍ في ذاكرته.
العلم الذي يصنع الإنسان
إن المقياس الحقيقي للانتفاع بالعلم ليس كثرة المعلومات وحدها، وإنما مقدار التحول الذي أحدثه العلم في شخصية صاحبه.
فإذا ازداد علم الإنسان، وازداد معه حلمه ووقاره وتواضعه وإنصافه، فقد بدأ العلم يؤتي ثماره. أما إذا ازداد علمه، وازداد معه الكبر والغضب والخصومة واحتقار الناس، فعليه أن يخشى من تحذير الإمام الصادق عليه السلام:
«ولا تكونوا علماء جبّارين، فيذهب باطلكم بحقّكم».
إن أخلاق طالب العلم ليست أمرًا زائدًا على رسالته، بل هي جزء من صدقها وتأثيرها. والعلم الذي لا يهذّب صاحبه قد يتحول إلى حجة عليه؛ لأن المطلوب ليس أن يحمل الإنسان الحق في كلماته فقط، وإنما أن يظهر ذلك الحق في أخلاقه وسلوكه.
ولعل خلاصة هذه الرواية المباركة تختصرها هذه العبارة:
ليس السؤال فقط: كم تعلّمت؟ بل: ماذا صنع العلم بأخلاقك؟
المصادر
١. الكافي، الشيخ محمد بن يعقوب الكليني، ج١، ص٨٤، مكتبة صحراء النجف.
٢. الوافي، المولى محسن الفيض الكاشاني، ج١، ص١٦٢.
زاهر حسين العبد الله




تقييم المقال

