جرائم وانتهاكات نظام البعث لحقوق الإنسان في العراق
الإعدام خلافاً لمبدأ شخصية العقوبة
د. رائد عبيس
وثق السيد حسن شبر في كتابه "صفحات سوداء من تاريخ البعث في العراق" (طبعة 2003)، والسيد صاحب الحكيم في كتابه "تقرير عن اغتصاب وقتل وتعذيب واعتقال أكثر من 4000 امرأة في بلد المقابر الجماعية: العراق" (طبعة 2003)". مشاهد مؤلمة من قصص انتهاكات حقوق الإنسان في العراق، تمثلت في مشاهدات حية أو روايات نقلت عن الضحايا وذويهم وأصدقائهم، وممن شهد جانباً من هذه الانتهاكات الخطيرة والجسيمة بحق الإنسان العراقي، حيث كانت هذه الانتهاكات تقع تارة بشكل مباشر وتارة أخرى بشكل غير مباشر.
ومن بين هذه الحالات التي تشكل انتهاكاً حقيقياً لمبادئ حقوق الإنسان وقانون العقوبات العراقي، فضلاً عن كونها تخالف سائر الأنظمة العقابية العالمية، تجاوز النظام البعثي لمبدأ "شخصية العقوبة" إلى "لا شخصية العقوبة"؛ إذ كان يأخذ بجريرة المتهم أو المعتقل عائلة الضحية بأكملها، من الأولاد والبنات والزوجات والآباء والأمهات والأقارب والأصدقاء، وكل من تناله تهمة القرب من الشخصية المستهدفة من قبل عناصر البعث الإجرامية.
ومن أمثلة آلاف الحالات المشابهة، حالة إعدام زوجة الشهيد السيد جابر أبو الريحة، وهو رجل دين وخطيب عرف بنشاطه في الأحزاب الإسلامية، سُجن خمس سنوات ثم دُس له السم فَقُتل. وكان رئيس النظام في هذه الجريمة سائراً على طريق معاوية بن أبي سفيان في قوله "إن لله جنوداً من عسل"، حيث كان يسم من يعدهم خصومه وأعداءه بكأس العسل. وقد اتبعت هذه الطريقة من قبل أزلام النظام البعثي، إذ كانوا يدسون السم في القهوة والطعام وبكل ما يتاح لهم من وسيلة. ولم يكتفِ النظام بعد استشهاد السيد بإعدام زوجته، بل أعدم أمها أيضاً.
وربما يبدو سبب الإعدام واضحاً؛ وهو أن نظام البعث في العراق كان ينتزع الاعترافات بالقوة أولاً، وثانياً كان يتذرع بالتهم زوراً وبهتاناً، كما كان يلاحق كل من يتذمر أو يعترض أو يمتنع عن مجاراتهم في سلوك معين يسهل لهم تنفيذ جرائمهم. فعلى سبيل المثال، كانوا يطلبون معلومات من بعض الأفراد عن أفراد عائلاتهم ، أو جيرانهم ، أو أقاربهم، أو أصدقائهم، وعند رفضهم الإدلاء بأي معلومة، كانوا يعدونهم شركاء فيما يُتهمون به، وهكذا تتسع دائرة الإعدامات، بين قصدية الاستهداف الأول، وبين مجريات التحقيقات الأمنية والاستخبارية التي لم يرعَ فيها النظام حرمة لأي إنسان عراقي، فيأمر بقتله وتصفيته أو حجزه أو نفيه.
وفي بداية الثمانينيات، لم يُعرف عن النظام لجوؤه كثيراً إلى أسلوب النفي مع المعارضين، بقدر ما كان يميل إلى التصفية المباشرة أو غير المباشرة، والتي لم تكن تقتصر على المستهدفين وحدهم، بل كانت تطال عوائلهم وأقاربهم وكل من يمت بصلة للضحية لحظة استهدافها، فضلاً عن عمليات الاستهداف الجماعي.
إن جميع انتهاكات حزب البعث ونظامه كانت خرقاً صارخاً للقواعد الأخلاقية والشرعية والقانونية، المحلية منها والدولية والإنسانية، وهي تحصيل حاصل وحقيقة ثابتة وإن لم يستفض المقال في تفصيلها.




تقييم المقال

