البحث المتقدم

البحث المتقدم

(سلسلة آل محمد .. لا تعلِّموهم فإنهم أعلم منكم ) الإمام موسى الكاظم "عليه السلام"

0 تقييم المقال

 

سلسلة تاريخية علمية عقدية تتعلق بآل محمد "صلوات الله عليهم" تسلط الضوء على مواقف مختارة في مناسبات مختلفة، انبثق عنوانها من وصية النبي للأمة في التمسك بالثقلين إنْ أرادت صلاحها وهداها، والوصول إلى الصراط المستقيم.

    وحديثنا في هذا الحلقة الثانية عن الإمام السابع من أئمة المسلمين موسى الكاظم "عليه السلام" في فقرات خمس موجزة بالآتي :

 - أولًا: حياته.

كانت ولادته "عليه السلام" في (٧ صفر ١٢٨هج) في (الأبواء) بين مكة المكرمة والمدينة المنورة، وشهادته في (٢٥ رجب ١٨٣هج) ودفن في داره بسامراء.

 

- ثانيًا: كنيته.

 (أبو الحسن الأول)، أو (أبو الحسن الماضي) أو (أبو الحسن) وبذلك اشتهر في الروايات المباركة.

 

- ثالثًا: إمامته.

عاش في ظل إمامة أبيه الإمام جعفر الصادق (٢٠) عامًا ينهل من علومه العظيمة التي ملأت الآفاق في جميع المعارف، وتصدَّى لإمامة الأمة (٣٥) سنة يؤدي رسالة الإمامة في الأمة بعد أبيه، ورسالة الإمامة هي رسالة النبوة كما تقدَّم بيانها في الحلقة الأولى، فرسالة الإمام الكاظم (عليه السلام) كانت قائمة على أساس:

١-  تعليم الناس معالم العقيدة الإسلامية الصحيحة، وصيانتها من كُلِّ تحريف وتشويه يحاول بثه أعداء الدين من جهة، وأعداء أهل البيت من جهة أخرى.

٢-  الحفاظ على تلامذة مدرسة أبيه بمعاهدتهم وتعليمهم وتوجيههم في تعليم الناس أحكام الشريعة المقدسة، وقد تخرَّج على يديه ثلة كبيرة من الأعلام الذين نشروا العلم في المجتمع.

 ٣-  تربية الأمة تربية إسلامية لها أثر في بناء الشخصية الإسلامية التي ترتبط عقديًّا بالشريعة، وأخلاقيًّا بتعاليمها المباركة، من خلال أقواله المتعددة في مختلف جوانب الحياة، فضلًا عن سيرته العملية في المجتمع.

٤-  مواجهة الحُكَّام الظالمين الذي يحاولون تحريف تعاليم الشريعة في خدمة سلطانهم، وعدم إعطاء الشرعية لحكمهم، وبيان أنَّ الحكم الحقيقي هو للنبي وأوصيائه المعصومين (عليهم السلام).

٥-  الدعوة إلى ضرورة أنْ تكون الأمة واعية إلى رسالتها في المجتمع، وخصوصًا الجماعة المنتخبة والمنتجبة؛ لتكوِّن قاعدة في بناء جيل متمسك بتعاليم الدين، ولا يتأثَّر بالواقع السياسي أو الاجتماعي وغيرهما من الأحداث التي تمرُّ بها الأمة، ومن أهمها ابتعاد الإمام عنها في ظروف معينة.

 

- رابعًا: ألقابه: ومنها:

١- العبد الصالح.

 إنَّ هذا اللقب يؤكد مقام الأئمة (عليهم السلام) في عبادتهم لله تعالى وطاعتهم، وله أثر كبير في بناء شخصية المؤمن العقدية والتربوية، فهو من جانب يؤكد على موضوع العبودية الحقيقية التي يجب أنْ تكون لله عزوجل، والامتثال إليه في الأوامر والنواهي، مما هو شأن العبد تجاه المولى (الطاعة)، فالمؤمن في عقيدته يجب أنْ يكون عبدًا حقيقيًّا لله تعالى. ومن جانب آخر يؤكد على الصلاح والتربية وتهذيب النفس وجهادها، ونشر الفضيلة بين الناس في المجتمع، كما أراد الله عز وجل من عباده، فالصلاح من أهم موارد تربية النفس.

      وهي رسالة صريحة للمؤمنين بأنْ يقتدوا بالإمام الكاظم (عليه السلام) الذي كانت هذه إحدى ألقابه وخصاله في التعامل مع الله والآخرين.

 

٢- باب الحوائج.

إنَّ هذا اللقب يُظهر دور الأئمة (عليهم السلام) في الأمة والتصدي لشؤونها في المجالات المختلفة، وإنَّ هذا يؤكد رسالة الإنسان في التعامل مع أخيه الإنسان، فالمؤمن المحتاج يبحث عن أخيه انطلاقًا من القاعدة القرآنية ((إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)) [الحجرات: ١٠]، فكان الإمام هذا منهجه في التعامل مع الآخرين.

     وهي رسالة صريحة للتحلي بمثل هذه الفضيلة بالسعي في حوائج إخوتنا المؤمنين، وما في ذلك من آثار تربوية على الفرد والمجتمع، فضلًا عن بنائه بناءً عقديًّا وتربويًّا.

- خامسًا: تعاليمه وأحاديثه.

     هناك أحاديث كثيرة وردت عنه (عليها السلام)، ونحتاج إليها في جوانب الحياة المختلفة، ومن أعظم تراثه رسالته في العقل إلى تلميذه هشام بن الحكم التي يجب أنْ تتم دراستها من جوانب كثيرة بتفضيل.

ومن أحاديثه :

١- قال "عليه السلام": ((أداء الأمانة والصدق يجلبان الرزق، والخيانة والكذب يجلبان الفقر والنفاق)).

     إنَّ هذا الحديث المبارك يبيِّن أهمية فضائل الأخلاق وآثار التمسك بها، ورذائل الأخلاق وضرورة التخلِّي عنها، فالتربية الكاظمية تحاول بيان أمور متعددة مباركة منها:

١- عظمة تعاليم الشريعة الإسلامية المقدسة التي تدعو إلى الصلاح والتربية والأخلاق والتمسك بالمبادئ التي تلائم الفطرة الإنسانية، وأهمية التعرُّف على هذا المنهج من جهة، والعمل على تعريف الناس به من جهة ثانية، والعمل به من جهة ثالثة.

٢- بيان مقام فضيلة (الأمانة والصدق) وما فيهما من آثار عظيمة في بناء الشخصية الإسلامية، وأهمية أنْ يكون المؤمنون على هذا المنهج السوي الذي يدعو الناس لمعرفة عظمة الإيمان وآثاره على الفرد، وآثاره كذلك في صلاح المجتمع الذي يقوم في تعامله على الأمانة في جميع صورها، وعلى الصدق في القول والعمل وما فيهما من حفظ الحقوق من الانحراف والضياع والتلف، وما في ذلك من آثار سيئة في الدنيا والآخرة.

٣-  ويحذر الحديث في الوقت نفسه من آثار الأخلاق السيئة التي يحاول الشيطان أنْ يزيِّن للإنسان القيام بها من أجل غايات دنيوية دنيئة زائلة، لا تليق بالإنسان عامة فضلًا عن المؤمن خاصة، فالخيانة أمر قبيح لا يرضى به الإنسان السوي، والكذب من مظاهر الشخصية المخادعة في تعاملها مع الآخرين، والشريعة من أهم أهدافها تنزيه النفس الإنسانية عن ذلك كما قال تعالى: ((قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا)) [الشمس: ٩-١٠]

     مما تقدم يظهر هذا المنهج الكاظمي المبارك الذي يدعو إلى مكارم الأخلاق التي يمكنها أنْ تجعل الإنسان خليفة الله تعالى في الأرض، بإقامة الصلاح والقضاء على الفساد، وكُلُّ ذلك مما يؤكده العقل الإنساني السليم.

 

٢- قال (عليه السلام): ((التودُّدُ إلى الناسِ نصفُ العقلِ)).

      إنَّ هذا الحديث يؤكد منهج الثقلين (القرآن والعترة) في التعامل الإيجابي مع الناس، وإنَّ هذا التعامل إنما يحتاج إلى موضوعات مهمة يجب معرفتها؛ ليتم من خلالها الوصول إلى تلك الغايات المباركة، ومنها:

١-  إنَّ التودُّد والمودة والمحبة إنما تنطلق من النفس الإنسانية التي ترى في الآخرين وجودها، ولا تنظر إلى نفسها ومصالحها الذاتية فقط فهذا يؤدي إلى الأنانية، وهو أمر سلبي مرفوض نفسيًّا واجتماعيًّا، وهذا يدعو إلى معرفة بواطن النفس وما يؤدي بها إلى صلاحها أو فسادها، وقد ضمنت الشريعة المقدسة تعريف ذلك، قال تعالى: ((وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا)) [الشمس: ٧-٨]، فهناك معرفة فطرية أولية ويمكن أنْ تنمو.

٢-  إنَّ هذا السلوك في التعامل مع الناس والوصول إلى محبتهم فيه من الآثار الطيبة الكريمة في بناء شخصية سوية، تنطوي فيها المبادئ والقِيَم القائمة على احترام الآخرين، وهذا الاحترام يؤدي إلى بناء العلاقات الاجتماعية، وهذا أمر يؤكده العقل البشري في ضرورة محبة الآخرين والتعامل معهم بما يليق بالإنسان عامة، فضلًا عن المؤمن الذي اؤكد عقيدته على ذلك.

٣-  من المهم جدًّا في منهج التودد إلى الناس عدم التنازل عن تعاليم الشريعة المقدسة والأخلاق والمبادئ من أجل إرضاء بعضهم كما يريد، ولكن أنْ يتعامل معهم بالطريقة التي يمكنه أنْ يؤثر فيهم بنسبة معينة، أو يوصل إليهم رسالة طيبة عن انتمائه العقدي والتربوي، فضلًا عن أهمية بناء العلاقات مع الذين يوافقون منهجه الذي يدعو إليه.

٤-  إنَّ في الحديث رسالة إلى ضرورة التأمل في أنَّ (الناس) وهدايتهم وصلاحهم وتربيتهم والصبر عليهم من منهج الثقلين، فلا بد من مراعاته انطلاقًا من تعاليم الشريعة الإسلامية المقدسة في التعامل بالحسنى ((وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا)) [البقرة: ٨٣]، وما كانت عليه سيرة النبي وآله (عليهم السلام) في التعامل مع الناس عامة، فلا بد من الاعتناء بهداية الناس، وإصلاح أمورهم، وقضاء حوائجهم وغير ذلك، وعدم التعالي عليهم!!

٤-  وفي الحديث رسالة إلى أهمية التأمل في التأكيد على (العقل) في تعاليم الشريعة المقدسة، مما يؤكد عظمة هذه النعمة الإلهية على الإنسان، ولا بد من استثمارها في موارد البر والصلاح، وعدم الاستعجال بالأحكام في القضايا التي تحتاج إلى التأمل والتفكُّر، فالعاقل ينبغي أنْ يكون متأمِّلًا في جميع المواقف التي تمرُّ به، وفي ذلك رسالة إيمانية عقلية مباركة.

أخيرًا ..   

    إنَّ هذه السيرة المباركة للإمام الكاظم (عليه السلام) تؤكد مقامه الرفيع في كونه (عدل القرآن)، وأنه السبب الذي يوصل البشرية إلى الصراط المستقيم، والخير والصلاح، وأنَّ سيرتهم هي امتداد لسيرة الأنبياء (عليهم السلام) في الدعوة إلى الله تعالى، وعلومهم تؤكد مقامهم وأفضليتهم ومنزلتهم حيث جعلهم الله أوصياء النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) .. والسلام 

نعم
هل اعجبك المقال