لا تمرّ ذكرى استشهاد الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام بوصفها حدثا تاريخيا عابرًا، بل تعود كل عام لتوقد سؤالًا أخلاقيًا عميقًا: كيف يمكن للإنسان أن ينتصر وهو مقيّد وكيف يصبح الصبر فعلًا مقاومًا لا حالة سكون؟
الإمام الكاظم لم يكن مجرد إمامٍ في سلسلة الإمامة، بل كان مدرسة قائمة بذاتها. عاش في زمنٍ اختلطت فيه السياسة بالبطش، والسلطة بالخوف، وكانت الكلمة الحرة تُحسب جريمة. اختار الإمام أن يواجه ذلك كله بسلاح بدا للبعض ضعيفًا، لكنه كان في حقيقته الأقوى: الصبر الواعي، والصمت الذي يفضح الظلم أكثر مما تخفيه الخطب.
سُمّي بالكاظم لأنه كان يكظم الغيظ، لا عجزًا، بل سموًا. كظم الغيظ هنا لم يكن انسحابًا من الواقع، بل ضبطًا للنفس كي لا تنزلق إلى منطق الجلاد. في السجون العباسية، حيث قُيّد جسده، بقي فكره حرًا، وبقي حضوره الروحي قلقًا دائمًا للسلطة. السجن لم يلغِ تأثيره، بل عمّقه، وحوّل الإمام من شخصٍ مطارد إلى رمزٍ خالد.
وفاته في السجن لم تكن نهاية قصة، بل بداية وعيٍ جمعي بأن الظلم مهما طال عمره لا يملك الكلمة الأخيرة.
لقد أرادت السلطة أن تطوي صفحته خلف الجدران، فإذا بها تفتح صفحة أوسع في ضمير الأمة، جسده خرج على جسر بغداد، لكن روحه عبرت القرون، تذكّر الناس بأن القيم لا تُعتقل.
في زمننا هذا، حيث تتبدل أشكال القمع وتتخفّى أحيانًا خلف شعارات براقة، تبدو سيرة الإمام الكاظم أكثر راهنية من أي وقت مضى. هو درس في أن المواجهة ليست دائمًا صاخبة، وأن الثبات على المبدأ قد يكون أبلغ من ألف صرخة. هو تذكير بأن الإنسان يمكن أن يُهزم عسكريًا، لكنه ينتصر أخلاقيًا، وهذا هو الانتصار الذي لا يُمحى.
إحياء ذكرى وفاة الإمام الكاظم ليس طقسًا للحزن فقط، بل مراجعة للذات: كم نحتمل؟ وكم نصبر؟ وهل صبرنا يشبه صبر الكاظم، أم هو مجرد انتظار سلبي؟ الإمام علّمنا أن الصبر الحقيقي موقف، وأن الإيمان ليس هروبًا من الواقع، بل طريقة شريفة للعيش داخله في ذكرى وفاته، نستحضر رجلًا انتصر وهو في الزنزانة، وبقي حيا في الضمير الإنساني. وذلك هو الخلود بعينه.




تقييم المقال

