البحث المتقدم

البحث المتقدم

تكميم الأفواه: حين يُحاصَر الصحفي قبل الخبر

0 تقييم المقال

لم يعد تكميم الأفواه لدى الصحفيين مجرد اتهام يُتداول في أروقة المنظمات الحقوقية، بل واقعًا يتسلل إلى غرف الأخبار، ويعيد تشكيل العلاقة بين السلطة والحقيقة. ففي اللحظة التي يُطلب فيها من الصحفي أن يخفف نبرته، أو يتجنب سؤالًا، أو يؤجل نشر معلومة حتى إشعار آخر، يبدأ الخطر الحقيقي: خطر تحويل الصحافة من سلطة رقابية إلى صدى باهت لما يُراد لها أن تقول.

الصحافة ليست ترفًا ولا هواية؛ هي وظيفة عامة تؤدي دورًا أساسيًا في حماية المجتمع من التضليل والفساد. وعندما تُكمَّم أفواه الصحفيين عبر القوانين الفضفاضة، أو الضغوط الاقتصادية، أو التهديد المباشر وغير المباشر، فإن الخاسر الأول ليس الصحفي وحده، بل المواطن الذي يُحرم من حقه في المعرفة.

تكميم الأفواه لا يحدث دائمًا بالمنع الصريح. أحيانًا يرتدي ثوب التنظيم، وأحيانًا يتخفى خلف شعارات الأمن أو الاستقرار أو المصلحة العامة. لكن النتيجة واحدة: مساحة أضيق للأسئلة، وجرأة أقل على التحقيق، وخطاب إعلامي متشابه يخلو من التنوع والنقد، وهنا يتحول الخوف إلى رقابة ذاتية، أخطر من أي قرار إداري؛ لأن الصحفي يبدأ بحذف ما لم يُطلب منه حذفه.

الأكثر ألمًا  أن هذا الواقع يُنتج صحافة بلا أسنان، تلاحق التصريحات بدل الحقائق، وتُعيد نشر البيانات بدل تفكيكها، ومع الوقت، يفقد الجمهور ثقته بالإعلام، فيبحث عن بدائل غير موثوقة، فتنتشر الشائعات ويضعف الوعي العام وهكذا، فإن تكميم الصحافة لا يحمي المجتمعات كما يُدّعى، بل يعرّضها للاهتزاز.

الدفاع عن حرية الصحفيين ليس دفاعًا عن فئة مهنية فقط، بل عن حق أساسي من حقوق الإنسان، والمطلوب ليس صحافة فوضوية، بل صحافة مسؤولة تُحاسَب بالقانون العادل لا بالعصا، وتُنتقد بالحجة لا بالترهيب. فالدولة القوية لا تخشى الكلمة، والمؤسسة الواثقة لا تنزعج من السؤال، والمجتمع الحي لا يعيش في الظل.

في النهاية، تبقى الحقيقة عنيدة. قد تتأخر، وقد تُحاصر، لكنها لا تموت. والسؤال الحقيقي ليس: كيف نُسكت الصحفي؟ بل: كيف نضمن له أن يعمل بحرية ومسؤولية، حتى لا نصحو يومًا على صمتٍ عام لا صوت فيه للحقيقة.

 

نعم
هل اعجبك المقال