نسلط الضوء في هذا المقال على شخصية السيد السيستاني من محاور ثلاثة هي:
أولا: القراءة الدينية
إن من سنن الله في عباده أن يجعل للحكمة أهلًا، وللكلمة وزنًا، وللصمت مقامًا، وقد جسّد سماحة المرجع الديني الأعلى السيد علي الحسيني السيستاني هذا المعنى، حين جعل من الصمت الحكيم وسيلةً للإصلاح، ومن الحكمة منهجًا في قيادة الأمة.
فلم تكن المرجعية يومًا بعيدة عن هموم الناس، لكنها آثرت أن تتكلم حين يكون للكلام أثر، وأن تصمت حين يكون الصمت حفظًا للدماء وصيانةً للوحدة، لذا كانت كل مواقفها ميزانًا للعدل والاستقامة، ودعواتها قائمة على التقوى والإصلاح ونبذ الفتنة، والتمسك بالقيم الإسلامية الأصيلة.
إن المرجعية العليا أدركت أن كثرة الكلام تُفقد الكلمة وزنها، وأن هيبة المرجع تُصان حين لا يُستنزف في الجدل اليومي، بل يُستدعى عند المنعطفات الكبرى، إذ يكون للصوت أثرٌ مصيري.
ولم تكن مرجعية السيد السيستاني يومًا معزولة عن هموم الناس بل كانت قريبة من معاناتهم، فقد حافظ السيد على خطٍ فاصل بين الدور الديني الإرشادي، والعمل السياسي التنفيذي التوجيهي، مؤكدًا أن وظيفة المرجع هي تقويم المسار لا إدارة السلطة.
ومن هذا المنطلق، جاءت مواقفه الكبرى – كالدعوة إلى كتابة الدستور، والمشاركة في الانتخابات، وفتوى الدفاع الكفائي – مواقف محسوبة بدقة، صدرت في لحظات كان فيها الصمت حرامًا، والكلام واجبًا شرعيًا وأخلاقيًا.
دبلوماسية الحكمة لا صدام الشعارات
في عالمٍ مليء بالصراعات، اختار السيد السيستاني نهج دبلوماسية الحكمة، فكان خطابه جامعًا لا مفرقًا، ومطمئنًا لا مستفزًا، لم ينجرف إلى خطاب الكراهية، ولم يسمح بأن تتحول المرجعية إلى طرفٍ في صراعٍ طائفي أو سياسي، بل بقيت مظلةً أخلاقية تحمي الجميع.
وقد أثبتت التجارب أن هذا النهج كان سببًا في حفظ المجتمع من الانزلاق إلى الفوضى، وترسيخ روح المسؤولية، والدعوة إلى بناء دولة عادلة تقوم على خدمة الإنسان وكرامته، امتثالًا لقوله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾.
ثانيا: القراءة الأكاديمية
من النماذج القيادية الخاصة التي أخذت مرجعية السيد علي الحسيني السيستاني منه نموذجًا خاصًا في القيادة الدينية المعاصرة، هو «الصمت الفاعل» إذ يقوم على ما يمكن توصيفه بأنه استراتيجية واعية في إدارة الشأن العام، لا موقفًا حياديًا أو انسحابيًا، وقد أسهم هذا النهج في ترسيخ دور المرجعية بوصفها فاعلًا مؤثرًا في الاستقرار السياسي والاجتماعي، دون الانخراط المباشر في البُنى السلطوية.
يعتمد هذا النموذج على ترشيد الخطاب الديني، وحصر التدخل في اللحظات المفصلية ذات الأثر الملموس والمؤثر، بما يعزز من قيمة الكلمة للمرجعية ويمنحها شرعية معنوية عالية، لذا تتجلى «دبلوماسية الحكمة» في تجنب المرجعية لمنطق الصِدام، واعتمادها خطابًا أخلاقيًا إصلاحيًا يعالج جذور الأزمات بدل الاكتفاء بمعالجة مظاهرها.
لقد أسهم هذا المنهج في حماية السلم الأهلي، والحفاظ على وحدة الدولة، والتأكيد على مبادئ المواطنة، وسيادة القانون، ورفض العنف والفساد، وعليه، يمكن اعتبار مرجعية السيد السيستاني حالة دراسية مهمة في فهم العلاقة بين الدين والمجتمع والدولة في السياقات الانتقالية.
ثالثًا: القراءة الصحفية
في مشهدٍ يعجّ بالخطابات المتشنجة والمواقف المتسارعة، تبرز مرجعية السيد علي الحسيني السيستاني بنهجٍ مختلف، يعتمد الصمت حين يكون الصمت حكمة، والكلام حين يكون للكلمة ثمن وتأثير، لم يكن هذا الصمت يومًا غيابًا عن الواقع، بل حضورًا عميقًا في لحظاته الحاسمة.
عرف العراقيون مرجعيتهم بكونها صوت العقل عند الأزمات لا تدخل في تفاصيل السياسة اليومية لكنها ترسم الاتجاه العام وتحمي الثوابت الوطنية وبأسلوب هادئ بعيد عن الإعلام والضجيج.
نجحت المرجعية في توجيه الرأي العام نحو التهدئة وحفظ الدماء والدفاع عن وحدة المجتمع.
هذه الدبلوماسية الحكيمة جعلت من السيد السيستاني مرجعًا تتجاوز مكانته الحدود الجغرافية، حيث ينظر إليه العالم بوصفه رمزًا دينيًا معتدلًا، يجمع بين الثبات على المبادئ والانفتاح على القيم الإنسانية، في زمنٍ تشتد فيه الحاجة إلى صوت الحكمة.




تقييم المقال


