في عصرٍ تتسارع فيه التحولات الاجتماعية والثقافية، لم يعد دور المرأة مقتصرًا على تحصيل المعرفة، بل تجاوز ذلك ليصبح قوة فاعلة في إحداث التأثير المجتمعي، فالمرأة المتعلمة اليوم تُسهم بوعيها وفكرها في تشكيل القيم، وبناء الهوية، وصناعة التغيير الإيجابي داخل الأسرة والمجتمع. ومن طريق التعليم، تكتسب المرأة أدوات الفهم والتحليل، عبر المشاركة والتفاعل، تحوّل هذا التعلم إلى سلوك مؤثر ومبادرات بنّاءة تعزز التنمية والاستقرار.
إن الانتقال من التعلم إلى التأثير ليس مجرد مرحلة، بل هو مسار يعكس وعي المرأة بدورها كشريك أساسي في بناء مجتمع متماسك قائم على القيم والمعرفة.
يتضح أن دور المرأة في الانتقال من التعلم إلى التأثير المجتمعي يمثل ركيزة أساسية في بناء المجتمعات الواعية والمتماسكة، فحين يتحول التعلم إلى وعيٍ وسلوكٍ ومبادرة، تصبح المرأة عنصرًا فاعلًا في ترسيخ القيم، وتعزيز الهوية، ودفع عجلة التنمية، وإن تمكين المرأة علميًا وفكريًا ليس هدفًا بحد ذاته، بل وسيلة لإحداث أثر إيجابي يمتد إلى الأسرة والمؤسسات والمجتمع بأكمله. ومن هنا، فإن دعم تعليم المرأة وإتاحة الفرص أمامها للمشاركة والتأثير هو استثمار حقيقي في مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا للجميع.
بناء المجتمعات الواعية والمتوازنة والرقي بمنظومة الأسرة، بوصفها النواة الأولى في تشكيل المجتمع، يتطلب العمل على دعم المرأة لأنها تمثّل شريكًا حقيقيًّا في صناعة الوعي وترسيخ القيم الأخلاقية والمعرفية، فالمرأة المتمكنة علميًّا وفكريًّا تكون أكثر قدرة على أداء دورها التربوي والاجتماعي ونقل منظومة القيم إلى الأجيال القادمة بوعي ومسؤولية، ومواجهة التحديات الفكرية والسلوكية، عبر بناء وعي يستند إلى المعرفة والحوار والانفتاح المسؤول، ولا يقتصر مفهوم الدعم على التعليم فحسب، بل يشمل تنمية الشخصية، وتعزيز الثقة بالذات، وإتاحة الفرص للمشاركة في مختلف الميادين، وتبرز أهمية هذا الدعم في الحقول الدينية والثقافية، لما لها من أثر مباشر في ترسيخ الهوية والحفاظ على الموروث القيمي، ومن هنا تتعاظم الحاجة إلى مؤسسات تتبنى مشاريع تعزز حضور المرأة وتمنحها الأدوات اللازمة للإسهام في النهضة الفكرية، لتأخذ العتبة العباسية المقدسة على عاتقها العمل على دعم المرأة باهتمام بالغ، عبر مؤسساتها وشعبها النسوية لتوفير فضاءات علمية وثقافية ومهنية متكاملة.

حضور المرأة في ميدان علوم القرآن
في إطار مشروع هادف إلى توسيع حضور المرأة في ميدان علوم القرآن الكريم، يمضي معهد القرآن الكريم النسوي التابع لمكتب المتولي الشرعي للشؤون النسوية في العتبة العباسية المقدسة في برامج تعليمية وضعتها إدارته بدقة لضمان إعداد جيل نسوي قادر على الإسهام في نشر ثقافة الإقراء والبحث العلمي في مجالات القرآن وعلومه،
ويرتكز المشروع على رؤية واضحة هي: تعليم كتاب الله وعلومه، وبناء علاقة واعية بين الدارسات والقرآن الكريم اعتقادًا وقولاً وعملاً وأخذًا بأخلاقه وآدابه، ويسعى إلى تمكين المرأة من أدوات الدعوة إلى الله وفق القرآن الكريم وسنّة النبي وآل بيته (عليهم السلام).
وعن أوقات دوام المعهد، تقول مسؤولة المعهد السيدة منار الجبوري: إنّ (المعهد يفتح أبوابه لاستقبال الطالبات في الدورات القرآنية الدائمية، وبجدولي دوام صباحي ومسائي، في مقره بمحافظة النجف الأشرف) وتضيف (إنّ فئات متنوعة تشمل الموظفات وطالبات المدارس والجامعات وربّات البيوت تشارك في برامجه، ويوزع دوامها على أيام معينة من الأسبوع، بما يناسب ظروف كل فئة)

تعليم القرآن وبناء شخصية المرأة
ومن المعهد إلى شعبة فاطمة بنت أسد (عليها السلام) للدراسات القرآنية، التي تجتهد لتعزيز الثقافة القرآنية داخل الوسط النسوي، عبر برامج تعليمية متخصصة تهدف إلى بناء جيل نسوي واعٍ يمتلك القدرة على فهم القرآن الكريم ونشر قيمه في المجتمع.
وتُعنى الشعبة بتقديم دورات قرآنية شاملة تشمل التجويد، والحفظ، والتلاوة، وفهم المفردات، إضافة إلى برامج تعليمية موجهة للنساء باختلاف أعمارهن ومستوياتهن، وتعمل على تنظيم فعاليات ومسابقات قرآنية تسهم في ترسيخ روح التنافس الإيجابي، وتدعم حضور القيم القرآنية في الحياة اليومية للمرأة، بما يعزز وعيها ودورها في محيطها الاجتماعي. على هامش حفل اختتام دورة (ينابيع الرحمة)، أحد النشاطات التي تقيمها شعبة فاطمة بنت أسد (عليها السلام) للدراسات القرآنية، قالت مسؤولة الشعبة السيدة فاطمة الموسوي: إنّ (الشعبة حرصت على تقديم دروس متنوعة شملت العقائد، والفقه، والسيرة، وحفظ القرآن، والأعمال الفنية، إلى جانب تنظيم فعاليات خارجية مثل: زيارة العتبة العباسية المقدسة، ومتحف الكفيل للنفائس والمخطوطات، ومجمع العفاف النسوي، فضلًا عن أنشطة داخلية مثل (يوم البهجة)، والمجالس العزائية، والمحاضرات الثقافية المتخصصة)
وترتكز رؤية الشعبة على توفير بيئة تعليمية آمنة ومحترفة تُتيح للمرأة التعمق في دراسة القرآن وتفسيره، فضلًا عن إعداد برامج تستجيب لاحتياجاتها الفكرية والروحية، وتمنحها أدوات تساعدها على ربط النص القرآني بواقعها اليومي.

خطوة نحو محو الأمية والرعاية الثقافية
تولي العتبة العباسية المقدسة اهتمامًا كبيرًا بجانب التعليم النسوي، عبر مؤسسات ومراكز ومعاهد خاصة تُعنى بتطوير قدرات الفتيات والسيدات، في علوم الحفظ والتجويد والتفسير، وأنشطة بحثية وتربوية وثقافية متنوعة، بل شملت حتى المسابقات الميدانية والجولات التعريفية.
في مجال محو الأمية ينفّذ قسم التربية والتعليم في العتبة المقدسة اختبارات لمتعلمات مركز بدر التثقيفي أحد مراكز شعبة التوجيه الديني النسوي في العتبة المقدسة، للنساء حصرًا في محافظة كربلاء، لإشراكهن في برامج تمكنهن من القراءة والحد من ظاهرة الأمية، في ضمن برنامج (نتعلم لنحيا) للتعليم المجتمعي، شعبة التوجيه الديني النسوي تنظم أيضًا محاضرات دينية منتظمة، ودروسًا تثقيفية تعالج قضايا السلوك والقيم، إلى جانب ندوات إرشادية تلامس احتياجات الفتيات والنساء على اختلاف أعمارهن، في ضمن رؤية واضحة تضع بناء الشخصية النسوية الواعية في مقدمة أولوياتها، بما يعزز حضور المرأة ودورها داخل المجتمع.

المرأة وإحياء الموروث الديني
تعزيز حضور المرأة في المجال الديني، عن طريق إعداد خريجات متمكنات في فن الخطابة الحسينية ونقل رسالة أهل البيت (عليهم السلام) بأسلوب مؤثر، هدف تسعى إليه شعبة الخطابة الحسينية النسوية التابعة لمكتب المتولي الشرعي للشؤون النسوية في العتبة العباسية المقدسة.
تركز الشعبة على تطوير القدرات الخطابية للنساء والفتيات، عبر تقديم دورات تدريبية متخصصة في الخطابة، وفهم تاريخ أهل البيت (عليهم السلام)، وأصول الدين، إلى جانب ورش عمل ومسابقات تحفز المشاركات على التنافس الشريف، وتعزز ثقافتهن الدينية والشرعية.
وتنظم الشعبة برامج ثقافية متنوعة تشمل المحاضرات والندوات والحلقات الدراسية؛ بهدف نشر الوعي الديني بين النساء، وتعزيز دورهن في المجتمع الإسلامي.







