يُعد يوم النصر العراقي، الذي يصادف العاشر من كانون الأول عام 2017، من أهم الأحداث المحورية في تاريخ العراق الحديث، فهو اليوم الذي أعلن فيه العراق استعادة كامل أراضيه من سيطرة تنظيم داعش الإرهابي بعد معركة قاسية استمرت أكثر من ثلاث سنوات. جاء هذا النصر نتيجة صمود شعبٍ بأكمله، وتكاتف قواته المسلحة بمختلف تشكيلاتها التي واجهت أخطر تنظيم عرفته المنطقة في العصر الحديث. وقد عاش العراق منذ عام 2014 واحدة من أصعب مراحله، عندما اجتاح التنظيم الإرهابي مدنًا كبرى مثل الموصل وتكريت والرمادي، وسيطر على مساحات واسعة وهدد العاصمة بغداد، مما وضع البلاد أمام تحدٍ وجودي تطلب استجابة استثنائية.
بدأت مرحلة المواجهة بإعادة تنظيم القوات الأمنية والعسكرية، وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع بعد الانهيار الأولي في بعض المناطق. دخل الجيش العراقي والشرطة الاتحادية وجهاز مكافحة الإرهاب والحشد الشعبي وقوات البيشمركة في معارك متواصلة، وشارك أبناء العشائر في الدفاع عن مناطقهم بعد أن استشعروا حجم الخطر. ومع مرور الوقت أصبحت القوات العراقية أكثر تماسكًا وقدرة على خوض العمليات الواسعة التي حررت المدن تباعًا، بدءًا من تكريت ثم الرمادي والفلوجة، وصولًا إلى المعركة الفاصلة في مدينة الموصل التي شكّلت منعطفًا تاريخيًا في مسار الحرب.
استمرت معركة الموصل عدة أشهر وكانت من أصعب وأعنف المعارك، حيث واجهت القوات العراقية حرب شوارع معقدة وكمائن وألغامًا ودمارًا كبيرًا خلفه التنظيم. كما عانت المدن الأخرى التي احتلها داعش دمارًا واسعًا في بناها التحتية ومدارسها ومستشفياتها وشبكات الكهرباء والماء، فضلًا عن موجات النزوح الكبيرة التي أثرت في الوضع الاجتماعي والاقتصادي. وعلى الرغم من ذلك، استطاعت القوات العراقية أن تحقق التقدم الحاسم في نهاية عام 2017 عندما تم تحرير المناطق الحدودية مع سوريا، ليُعلن بعدها رسميًا انتهاء العمليات العسكرية الكبرى وتطهير كامل الأراضي من سيطرة التنظيم.
يمثل يوم النصر العراقي مناسبة وطنية تُجسد إرادة العراقيين وصمودهم. فهو ليس مجرد إعلان عسكري، بل محطة تاريخية تعبر عن إعادة الثقة بالدولة وقدرتها على حماية شعبها، وتؤكد أن وحدة العراقيين وتكاتفهم كانت العامل الأهم في تجاوز المحنة. كما يحمل هذا اليوم دلالات عميقة تتعلق بعودة العراق إلى موقعه الطبيعي دولةً قوية قادرة على مواجهة التحديات، ويعيد التأكيد على أهمية الحفاظ على الاستقرار السياسي والأمني لضمان عدم تكرار المأساة التي مر بها البلد.
إن الاحتفال بهذا اليوم كل عام هو فرصة لاستذكار التضحيات الكبيرة التي قدمها الشهداء والجرحى، وفرصة أيضًا للتفكير في المستقبل وما يتطلبه من عمل جاد لإعادة إعمار المدن المتضررة وتوفير الخدمات وإعادة النازحين إلى مناطقهم. فالنصر العسكري كان خطوة أولى مهمة، أما النصر الحقيقي، فهو في بناء عراق قوي ومستقر يعكس تضحيات أبنائه ويمنع عودة الإرهاب بأية صورة.
وهكذا يبقى يوم النصر العراقي رمزًا خالدًا للشجاعة والإصرار، وعلامة مضيئة في تاريخ بلدٍ واجه الظلام وانتصر عليه، وفتح صفحة جديدة نحو مستقبل أكثر أمنًا ووحدةً وازدهارًا.






