البحث المتقدم

البحث المتقدم

١٠ شوال ١٤٤٧

موقف المرجعية الدينية العليا من الانتفاضة الشعبانية 1991م (2)

 

#مؤسسة_الوافي_توثق

موقف المرجعية الدينية العليا من الانتفاضة الشعبانية 1991م (2)

 

جاء بيان المرجعية الدينية العليا الأول حذرًا بعض الشيء، محسوبًا في عباراته، دقيقًا في صياغاته، وكتفيًا بالإشارة إلى حثّ الناس على ضرورة التمسك بتعاليم الإسلام ومبادئه، والتقيد بالأحكام الشرعية، وأن تدخل السيد الخوئي سوف يأتي لتهدئة الأوضاع، جاء فيه: "وبعد: لا شك ان الحفاظ على بيضة الإسلام ومراعاة مقدساته أمر واجب على كل مسلم... أهيب بكم أن تكونوا مثالًا صالحًا للقيم الإسلامية الرفيعة برعاية الأحكام الشرعية، رعاية دقيقة في كل أعمالكم وتصرفاتكم، وجعل الله تبارك وتعالى نصب أعينكم في كل ما يصدر منكم، فعليكم الحفاظ على ممتلكات الناس وأموالهم وأعراضهم، وكذلك جميع المؤسسات العامة لأنها ملك الجميع والحرمان منها حرمان الجميع". وخلق هذا البيان استعدادًا وهمة تعجز أي قوة في حينه عن خلقها لدى الناس التي تحركت متضامنة لمعالجة المشكلة الميدانية مثل: دفن الجثث، تأهيل المستشفيات، إعادة المواد المنهوبة إلى محالها، نقل الجرحى ومعالجتهم.

إن رؤية آية الله العظمة السيد الخوئي وموقفه تجاه الانتفاضة يحتاج منا إلى وقفة متأنية، تستدعي فهمًا واسعًا لجوانب مرجعيته الدينية ومنطلقاتها النظرية والفقهية، واستحضارًا دقيقًا لمواقفه السابقة تجاه الأحداث السياسية طوال عشرين عامًا مضت، فالإمام الخوئي كان يحسب لكل خطوة حسابات كثيرة متأنية قبل أن يُقدم عليها، ويأتي ذلك من طريق تقدير الظروف الموضوعية، وطبيعة الواقع السياسي فيما إذا كان يسمح بأن تؤدي المرجعية دورًا سياسيًا او أن تتخذ جانب الحيطة، وتعمل على حماية كيانها العلمي فحسب، من أجل إرشاد الأمة الى ما هو خير وصلاح. فالإمام الخوئي يؤمن بولاية الفقيه الجزئية أو المحددة أو المقيدة بحدود فقاهته، فكان يرى أن دور عالم الدين يجب أن يكون على ما كان عليه السلف الصالح، وهو التوجيه والإرشاد والإشراف والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ومن المعروف أن السيد الخوئي كان معارضًا للحكم في العراق طيلة مدة زعامته الدينية، وسلك في سبيل ذلك النقد البناء والمعارضة الإيجابية بعيدًا عن المواجهة المباشرة مع السلطة، فالسيد الخوئي يرى أن الثورة على نظام حكم مستبد يملك هيمنة أمنية وقوة عسكرية ودعم عالمي كبير، يُعد حركة من الصعب نجاحها وتحقيق أهدافها، حتى مع تقديم الشهداء والتضحيات الكبيرة، ومن ثم تكون هذه الحركة كما أسماها السيد الخوئي (حركة غير منتجة). يعرض فيها كل شيء إلى الهلاك، وفيها سيساء لمنصب المرجعية العليا ويعطي مبررًا للقضاء عليها، وهذا الأمر كان يخطط له النظام من إنهاء وجودها كعقبة في طريقه. وهنا يأتي دور المرجع للعمل على حفظ هيبة المرجعية الدينية ووجودها، ولا سيما أن النظام العراقي السابق معروفٌ بتاريخه القمعي الرهيب ضد الشعب العراقي، وأن النظام المذكور – كما هو مؤكد عند المرجع الأعلى السيد الخوئي – لم يكن منعه شيء من التجاوز على كل ما هو مقدس، حتى وإن كان ذلك التعدي على مقام المرجعية العليا للشيعة، وفعلًا فإن هذا ما حصل بعد انتهاء الانتفاضة، واعقتال السيد الخوئي مع أفراد عائلته دون رادع.

ومع بزوغ فجر الانتفاضة كانت المرجعية الدينية في النجف الاشرف أما ضغوط شعبية عارمة وأوضاع سياسية وإدارية متردية تقتضي القيام بعمل ما... يتبع

 

المصدر التوثيقي |موسوعة فتوى الدفاع الكفائي |الجزء 3 الصفحة 256

مواضيع ذات صلة