كثيراً ما تتردد على الألسن حكايات، وصف الشيبة المجاهدة في الحشد الشعبي بالصحابي الجليل حبيب بن مظاهر، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، رجال تجاوزوا السبعين أو الثمانين من أعمارهم، إلا أنهم لم يتوانوا في حمل السلاح، تلبية لنداء المرجعية الدينية بالدفاع المقدس عن العقيدة والوطن.
كل له قصص يرويها، تسعد من يسمعها، وتسر من يتابعها، شيبة أخذ الدهر منهم مأخذه، حيث السنين العجاف التي مرت على العراق..
حروب وبؤس، وصراع من اجل البقاء، وويلات المتسلطين، وبلاء الحكومات الظالمة وسياستها، كل ذلك لم يمنع من فُطِرَ على حب العراق، وذاب بعشق تربته، وتغذى من غيرته بالدفاع عنه، بوجه اشد الجماعات كفراً وإجراماً في تاريخ العراق المعاصر.
رجال الحشد الشعبي، فعلاً من قال إنهم رجال الله في أرضه، هم الصفوة، الذين نالوا التوفيق الإلهي، وهبوا تاركين الأهل والمال، "فيا ليتنا كنا معكم" تحققت، وهذا الدعاء استجيب لمن ردده من نية صادقة، ما حدث في كربلاء عام 61 هـــ، عاد في العراق منتصف 2014، وصدق المؤمنون القول، وفعلوا ما لم يتوقع، ولنا بمواقف أولئك الرجال الغيارى دروسٌ تُدرس للأجيال.
تعرضت إحدى محاور ألوية الحشد لهجوم مباغت فجر أحد الأيام من العصابات الإرهابية في حزام بغداد، استعد المجاهدون لصد العدو، وبدأوا يوجهون فوهات بنادقهم لكل حركة يعتقدون أنها خطر يداهمهم، أكثر من كانت إطلاقات بندقيته تسبق الآخرين، الرجل الشيبة المجاهد "أبو أحمد"، منعه آمر النقطة من الرمي بلا هدف، ثم اختفى ذلك الغيور، وانتهى الهجوم بعد ساعات، ولم يُعرف مصيره.
كان على سواتر الصد الأولى مجاهد وفوج المغاوير، الشباب المتمرسون على قتال المدن، وقد استمر الهجوم من الساعة الخامسة فجرًا حتى الحادية عشرة ظهرًا، لم تصل إليهم سوى قناني الماء، وهم تحت لهيب شهر آب 2014م، فتفقد قائد الفوج "أبو مصطفى العيداني" مقاتليه، فاستغرب بوجود أحدهم يلبس "الدشداشة العربية" ويلف رأسه "بالشماغ الأبيض" فسأله من أنت؟!
فأجابه: أنا أبو أحمد من فوج السماوة.
قال القائد: من جاء بك إلى هذا المكان؟
فأجاب الرجل الشيبة باللهجة العامية "جابتني غيرتي وفزعت".
القائد: أنت رجل كبير، والقتال على السواتر يحتاج الشباب، ومهاراتهم القتالية.
فرد عليه بالكلام العامي "صح احنه شياب، لكن وقت الحرب ما تعرف بينا الشايب من الولد، والسيد أعطى فتوى فزعت زلم، وإني عمك، بوقت اللازم تعرفنا بس نادي حيهم".
صمت القائد، ماذا يقول؟ ثم قال: (والله اسجد أبوس أيدك)
هكذا هم الرجال الأفذاذ، شيبة هبوا يقاتلون ليس من أجل المال والمناصب والسلطة، إنما دفعتهم عقيدتهم، وولائهم لوطنهم، أمام عصابات لا تعرف معنى الإنسانية، فكيف تصون حرمة الإنسان!؟
وفعلاً تجسدت أسمى صور الرجولة والشجاعة والإيثار، في مواقف رجال الفتوى المقدسة، الذين يستحقون أن تخلد أسماؤهم في صفحات تاريخ العراق الخالد.
بقلم: عمار ياسر العامري
المصدر موسوعة فتوى الدفاع الكفائي الجزء 76 ص20









