البحث المتقدم

البحث المتقدم

٢٩ رجب ١٤٤٧

التطور المعماري وصناعة الفخار في تل حسونة

 

تل حسونة موقع أثري مهم من مواقع عصور ما قبل التاريخ في بلاد الرافدين، يقع على مسافة تقارب 35 كم جنوب غربي مدينة الموصل، في نطاق منطقة جبل سنجار شمالي العراق، ضمن محافظة نينوى. تبلغ أبعاد التل نحو 200 × 150 م، ويصل ارتفاعه إلى قرابة 7 أمتار.

 

جرى التنقيب في الموقع خلال أربعينات القرن العشرين على يد عالم الآثار العراقي فؤاد سفر من دائرة الآثار العراقية، وبمشاركة عالم الآثار البريطاني سيتون لويد (Seton Lloyd) من المدرسة البريطانية للآثار في العراق، ليغدو تل حسونة أحد أهم المواقع الممثلة لبدايات الاستقرار الزراعي في شمال بلاد الرافدين.

 

تعود أهم مراحل الاستيطان في تل حسونة إلى النصف الثاني من الألف السابعة قبل الميلاد، وقد تمثلت بست طبقات أثرية متعاقبة. ففي الطبقة الأولى (الأقدم) لم تُكشف آثار معمارية واضحة، وإنما وُجدت مواقد وحفر خزن، إلى جانب أوانٍ فخارية بدائية خالية من الزخرفة، وقلة من الأدوات الحجرية والأوبسيديان، وهو ما يعكس نمط استيطان بدائي أطلق عليه الباحثون مصطلح مرحلة ما قبل حسونة (Pre-Hassuna).

 

أما الطبقة الثانية فقد شهدت بداية تشكّل حضارة حسونة بمعناها الدقيق، حيث ظهرت البيوت المبنية من عدة غرف ذات وظائف محددة، إلى جانب المخازن والمواقد والأفران، وترافقت هذه التطورات المعمارية مع تحسن واضح في صناعة الفخار من حيث الشكل والتقنية.

 

وفي الطبقات من الثالثة حتى السادسة، بلغ الموقع مرحلة متقدمة من التطور؛ إذ ازدادت مساحة البيوت وعدد غرفها، ولا سيما في الطبقة الرابعة، كما بلغت صناعة الفخار ذروة ازدهارها، فظهرت أوانٍ متنوعة الأشكال والأحجام، مزخرفة بالحزوز أو بالتلوين، وأحيانًا بالأسلوبين معًا، وحملت زخارف إنسانية وحيوانية. ويُرجع الباحثون كثيرًا من هذه الأواني إلى حضارة سامراء التي ظهرت في المرحلة المتأخرة من حضارة حسونة، أي في نهاية الألف السابعة وبداية الألف السادسة قبل الميلاد.

 

وفي جهة أخرى من التل، كُشفت آثار استيطان لاحقة تعود إلى حضارتي حلف والعبيد المؤرختين في الألفين السادس والخامس قبل الميلاد، مما يدل على استمرار أهمية الموقع عبر فترات زمنية طويلة.

 

أسفرت التنقيبات في تل حسونة عن لقى أثرية متنوعة، شملت الأدوات الحجرية مثل المناجل والفؤوس وأحجار المقاليع، إضافة إلى الأحجار النادرة، والخرز، وبعض الأختام الحجرية المسطحة المزخرفة بزخارف هندسية، فضلًا عن دمى إنسانية صغيرة. وتشير هذه المكتشفات إلى أن الموقع كان مستوطنة زراعية مستقرة، مارس سكانها زراعة القمح والشعير، ودجّنوا الغنم والماعز والبقر والخنزير، كما مارسوا الصيد، وعرفوا الحياكة والنسيج وصناعة الفخار وشيَّه في أفران كبيرة.

 

اتبع سكان حسونة طقوس دفن مميزة، إذ كانوا يدفنون موتاهم خارج مناطق السكن، بينما دُفن الأطفال في جرار فخارية، وهو تقليد معروف في مجتمعات ما قبل التاريخ في المنطقة.

 

وعلى الرغم من أن أعمال التنقيب في تل حسونة تعود إلى فترة مبكرة نسبيًا، فإن الموقع ما يزال يُعد من أهم المواقع الرئيسة لحضارة حسونة، التي انتشرت في مساحة واسعة من الجزيرة العراقية والسورية، وعاصرت جزئيًا حضارات سامراء وحلف والعبيد، وأسهمت بدور أساسي في ترسيخ البنى الاقتصادية والاجتماعية للمجتمعات الزراعية التي مهدت لظهور الحضارات التاريخية المبكرة في المشرق العربي القديم.

 

صور لما تم اكتشافه

مواضيع ذات صلة