إنّ مسؤولية تربية الأبناء مسؤولية مشتركة بين الأب والأم، فلكلٍّ منهما دوره الخاص في بناء شخصية الطفل وتنشئته على القيم والمبادئ، غير أنّ الواقع أحيانًا يفرض غياب الأب لظروفٍ اجتماعيةٍ أو اقتصاديةٍ، فتتحمل الأمّ المسؤولية كاملة، وتؤدي الدورين معًا.
وقد اختار الله سبحانه وتعالى الأم لتكون صانعة الأجيال، لما أودعه فيها من طاقةٍ هائلةٍ على العطاء، وقدرةٍ فطريةٍ على الاحتواء والرعاية. فإذا كانت الأم المربية على مستوى رفيع من الثقافة والأخلاق والدين، فإنها بحكمتها ووعيها تستطيع أن تزرع في نفوس أبنائها الإيمان، والثقة، والانتماء، لتبني بذلك رجالًا يحملون القيم في عقولهم والرحمة في قلوبهم.
الأم ذات الفكر المتشعّب تنظر إلى الحياة من زوايا متعددة، وتجمع بين العاطفة والعقل، فتوازن بين الحزم والحنان، وبين التربية الوجدانية والتوجيه الأخلاقي، وهذا ما يجعلها تختلف في طبيعتها عن الرجل، لا لتتفوق عليه أو تنافسه، بل لتُكمله في أداء الرسالة الإنسانية.
ولله سبحانه وتعالى سننٌ في خلقه، جعل لكلّ قصةٍ عبرة، ولكلّ حدثٍ حكمة، قال تعالى:
﴿وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَا فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٖۚ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ أَكۡثَرَ شَيۡءٖ جَدَلٗا﴾ [الكهف: 54].
ومن أعظم القصص التي تجسّد هذا المعنى قصة السيدة مريم عليها السلام، التي تفرّدت بتربية نبيّ الله عيسى عليه السلام دون أب، فكانت مثالًا للأم الواعية المؤمنة، التي حملت أمانة التربية في أقسى الظروف، فربّت نبيًّا، وغرست فيه قيم الطهر والصبر والإيمان.
ومن هنا، نجد أن كثيرًا من الأمهات قد ربّين أولادًا يتامى، وأكملن الدورين بصلابةٍ وصبر، فأخرجن من رحم الألم رجالًا أقوياء في عقولهم وقلوبهم.
إنها المعجزة الامهات التي يصنعنها في صمتٍ بين مفترقات الحياة.
أما من ينكر هذا الدور العظيم، أو يجعله موضعًا للاستهزاء، فإنه يجهل أول حقوقه الإنسانية، وينكر الجميل الذي لولاه لما استقام له طريق. فلو تأمل الإنسان محطات حياته منذ صغره وحتى كبره، لوجد أن الأم كانت الحضن الذي آواه، واليد التي نهضت به، والعين التي سهرت لأجله.
وقد أكد الإمام زين العابدين عليه السلام في رسالة الحقوق على عظمة هذا المقام، فقال في حق الأم:
"فحقّ أمّك أن تعلم أنّها حملتك حيث لا يحمل أحد أحدًا، وأعطتك من ثمرة قلبها ما لا يعطي أحد أحدًا، ووقتك بجميع جوارحها، ولم تبال أن تجوع وتطعمك، وتعطش وتسقيك، وتعرى وتكسوك، وتضحى وتظلك، وتهجر النوم لأجلك، ووقتك الحرّ والبرد لتكون لها، فإنك لا تطيق شكرها إلا بعون الله وتوفيقه."
كلمات الامام تختصر فلسفة التربية في مدرسة أهل البيت، حيث الأم ليست فقط مصدر الحنان، بل منبع القيم، وجذر الأخلاق، ومهده الأول لتكوين الإنسان السويّ.
ومن الجانب النفسي، فإن الأم التي تربّي ولدها بحبٍّ واهتمام تمنحه الأمان العاطفي والثقة بالنفس، فينشأ متوازنًا قادرًا على مواجهة التحديات. ومن الجانب الاجتماعي، فهي التي تُنمّي فيه روح التعاون، والاحترام، والمسؤولية، وتغرس فيه الانتماء للأسرة والمجتمع.
وحتى في غياب الأب، إذا امتلكت الأم الوعي والإيمان، استطاعت أن تملأ الفجوة بالعطف والتوجيه، لتنشئ ولدًا سليم النفس، متوازن الشخصية، يحترم ذاته والآخرين.
إنّ الأم التي تُربّي ابنها على القيم والرحمة والوعي، تزرع في قلب المجتمع رجلًا يحمل إنسانيته قبل قوّته، وإيمانه قبل سلطانه.
ولذلك لم يكن عجبًا أن يجعل الله الإمامة من ذرية فاطمة الزهراء عليها السلام، فهي الأم التي جمعت النور من أبيها، والطهر من ذاتها، لتكون شجرةً مباركةً أصلها في السماء وفرعها في الأرض، تؤتي ثمارها رجالًا قادة، وأئمةً هداة، حملوا مشعل الهداية للبشرية كلها.




تقييم المقال


