——————————-
محمد عبد المحسن الباوي
١٤/ ١٢/ ٢٠٢٦ م
٢٤/ رجب/ ١٤٤٧هـ
إنّ الصراع الدائر عبر التاريخ بين جانب الخير وجانب الشرّ يتمحور، في جوهره، حول قوّة الحجّة؛ فمَن يمتلكها تكون له الغَلَبة، أيًّا كانت إمكاناته المادية من عُدّةٍ وعدد، ومن الطبيعيّ أن تكون هذه الميزة ملازمةً لجانب الخير، إذ نجدها، على امتداد التاريخ، ملكًا خالصًا له، بخلاف جانب الشرّ الذي يسعى جاهدًا إلى طمسها والالتفاف عليها بقوّة السلاح وكثرة الجموع، وقد ينجح هذا الجانب في تحقيق انتصارٍ ميدانيٍّ مؤقّت، غير أنّه سرعان ما ينكشف ويزول، لتتّجه الأبصار مجددًا نحو صاحب الحجّة الحقّة.
لقد امتلك نبيّنا محمدٌ وآله الأطهار (صلوات الله عليهم أجمعين) هذه القوّة، وكانوا ينتصرون بها وإن بدا ظاهر الواقع خلاف ذلك؛ إذ لا قيمة لانتصارٍ يخلو من الحجّة، ولا بقاء لغَلَبةٍ تُجرَّد من الحقّ، وانطلاقًا من هذا الفهم، تتجلّى لنا سيرةُ إمامنا موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام)، الذي ورث هذه القوّة كما ورثها آباؤه الطاهرون من قبله.
لقد كان بنو العبّاس أصحابَ سلطانٍ ونفوذٍ وسطوة، وحاولوا أن يستحوذوا على "قوّة الحجّة" عَبرَ التذرّع بقرابتهم من رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، غير أنّ محاولاتهم باءت بالفشل؛ لأنّ الحجّة لا تُنتزع بالقوّة ولا تُكتسب بالادّعاء، ومن هنا اندفعوا لمطاردة آل بيت النبيّ (عليهم السلام)، لما كانوا يمثّلونه من تهديدٍ حقيقيٍّ لشرعيّة حكمهم، فجاروا عليهم وقتلوا منهم الصغير والكبير، حتى قيل:
تالله ما فعلت أمية فيهم ** معشار ما فعلت بنو العباس.
وعلى الرغم من جبروتهم وسطوتهم، ظلّ بنو العبّاس يخشون قوّة الحجّة، إذ كانوا يدركون تمامًا أنّ الإمام الكاظم (عليه السلام) هو الأَولى بالحكم والأَجدر بالقيادة، ومع ذلك لم يطالب بحقّه السياسي، ولم يسعَ يومًا إلى التصدّي للسلطة، وقد ذاق من العذاب ما ذاقه بنو هاشم (عليهم السلام) من قبله؛ إذ عاشوا مستضعفين، مشرّدين، محرومين من أبسط حقوقهم، غير أنّ هارون وزبانيته كانوا يَرهَبونهم، لا لشيءٍ إلّا لأنّهم يمتلكون قوّة الحجّة.
ولمّا عجز هارون عن مواجهتها، انتهى به الأمر إلى سجن الإمام الكاظم (عليه السلام) وإبعاده عن محبّيه وأتباعه، لا كسجن المذنبين والجناة، بل سجنًا أشدّ قسوة؛ إذ أُودِع في طامورةٍ مظلمة تحت الأرض، لا تتّسع إلا للجلوس، وقُيِّد بالسلاسل الثقيلة، لا لذنبٍ اقترفه، بل لأنّه كان يحمل "قوّة الحجّة".
فليس من المعقول أن يخشى هارون، صاحب الملك الواسع والجيش الجرّار والأموال الطائلة، شيخًا مقيّدًا في غياهب السجون، لولا أنّ هذا الشيخ هو إمام الحقّ، وحجّة الله، وامتداد النور المحمّدي، وهذه هي "قوّة الحجّة" التي امتلكها الإمام الكاظم (عليه السلام)، والتي يستحيل أن يمتلكها هارون أو غيره، فحاول طمسها بكلّ السبل، ولم يجد في نهاية المطاف إلّا طريق الغدر، فدسّ إليه السمّ، إذ كان في كلّ نَفَسٍ من أنفاس الإمام الكاظم (عليه السلام) تهديدٌ لملك هارون، فكان قتله – في نظر الطغيان – السبيلَ الوحيد لبقاء السلطة.
وهكذا قضى إمامنا الكاظم (عليه السلام) صابرًا محتسبًا، مسمومًا مظلومًا في الخامس والعشرين من شهر رجب في عام ١٣٨ للهجرة، كما قضى آباؤه وأجداده الطاهرون (عليهم السلام).
فالسلام عليه يوم وُلد نورًا، ويوم استُشهد مظلومًا،ويوم يُبعث حيًّا




تقييم المقال

