#مؤسسة_الوافي_توثق
سيرة الشّهيدُ السّعيدُ: أحمد محمد رزاق العبودي
الولادة: المشخاب 1989
الشهادة: الصقلاوية 5 / 7 / 2015م
التشكيل: مديرية استخبارات الحشد الشعبي
الشهيد السعيد من محافظة النجف الأشرف قضاء المشخاب مدينة الشهيد السيد جعفر بحر العلوم (قدس سره) مدينة الشهداء، ومنبع التضحيات، متزوج ويسكن مع أهله في بيت واحد، وله طفلة وحيدة اسمها (رقية).
طيب القلب سمح الوجه حسيني الهوى تجده في أوقات الصلاة عاكفًا في المسجد القريب من منزله، واصلا رحمه وجيرانه، يتفقد الصغير قبل الكبير.
تخرج من كلية الإدارة والاقتصاد بجامعة الكوفة -قسم إدارة الأعمال- بدرجة امتياز عام ٢٠١٢م وتوجه للعمل كاسبًا في إحدى الأسواق الشعبية ليعيل عائلته على أمل الحصول على وظيفة في اختصاصه.
وبعد جهد جهيد حصل على عقد عمل في مديرية ماء ومجاري النجف، لم تسع فرحته بأسرته للحصول على هذا العقد كان ذلك سنة ٢٠١٣، فعمل بجد ومثابرة، فأحبه أقرانه ومسؤولوه، كان طاقة لا تمل ولا تكل على الرغم من بعد المسافة بين محل عمله وسكنه.
وبعد مضي سنة على عمله الجديد، صدرت فتوى المرجعية بالدفاع الكفائي فترك عمله على الرغم من حبه له، وتوجه للجهاد دفاعًا عن بلده ومقدساته منخرطًا في الحشد الشعبي.
شارك الشهيد (أبو رقية) في كثير من المعارك، منها في (العظيم، مكيشيفة، والنباعي، والكرمة) واستمر جهاده لمدة ستة أشهر حتى صدَر أمر تعيينه الذي كان يترقبه كثيرا ويحلم به ليعيش حياة مستقرة، وليصبح من الموظفين الدائمين في مديرية زراعة النجف، باشر في عمله الجديد وسط فرحه الأهل والأقارب، ولم تكن علامات الفرح تظهر على وجهه الذي عهدناه مستبشرا، بل كان على عكس ذلك قلبه وفكره في الجهاد عند المجاهدين، واستمر على هذا الحال من الحزن تأخذه حسرات طويلة على تركه الجهاد لمدة أربعة أشهر، فكان يعيش صراعا داخليا مع نفسه وسط ضجيج الدنيا وملذاتها حتى قرر أخيرا العودة إلى الجهاد في سبيل الله لتختار هذه المرة العمل في الحشد الشعبي، ويتحدث الحاج أحمد العبيدي (أبو ياسر) عن هذه المدة في حياة الشهيد التي لم تدم طويلا بالقول:
«كان إصراره على الذهاب للخطوط الأمامية لافتا ومثيرا للاستغراب، قلت له: ألم تقل إنك قاتلت في العظيم وآمرلي وجرف الصخر وبلد وصلاح الدين، فما الذي جاء بك مرة أخرى للحشد وقد صدر أمر تعيينك في الوزارة».
قال: «لم أترك الجهاد رغبة عنه بل عدت إلى بلدي لأسجل مباشرتي في شعبة زراعة المشخاب، وها أنا أرجع لسوح الجهاد، لن أترك هذا الطريق أبدا».
فمكث في أحد مقراتنا الخدمية في الخطوط الخلفية أربعة أيام، أحبه كل من تعرف عليه، لكنه كان مصرا على ترك هذه الخطوط المتأخرة وكأن روحه تحلق في مكان تعشقه، إنها الجبهة في خطوطها الأمامية.
وما إن توفرت الحاجة في مقر أمامي من مقراتنا لمجاهد يجيد عملا إداريا تخصصيا، حتى بعثت اليه ليتوجه إلى حيث يريد، فما مر سوى ثلاثة أيام حتى أخبرني مسؤوله المباشر أن (أبا رقية) يتوسل إليه ليلا نهارا ليكون ضمن القوات التي تستعد لاقتحام منطقة شمال الصقلاوية، وقد توسط لديه ثلاث مرات وجاءه ببديل يؤدي عمله، كان يتصل بي بين يوم وآخر يسأل عن كتاب تفريغه من عمله الإداري فأخبره في كل مرة أن الإخوة يتابعون ذلك، وسأعلمك حال صدوره لتوصله إلى دائرتك.
حين صدر الكتاب اتصلت به يوم ٢ تموز طلب من مسؤوله رخصة ليوم واحد، حضر فيه إلى المقر وأخذ كتابه ثم عاد إلى مكانه المحبب في اليوم التالي، مر يوم آخر وبينها كنت متوجها إلى ناظم التقسيم برفقتي شابان من مجاهدينا رن هاتفي المحور، إنه مسؤول المحور، الو حاج هل تسمعني؟ أحد شبابنا مف...الو...أقول لك أحد...بنا...صحت في سماعة هاتفي: صوتك يتقطع، إن كنت تسمعني فأرجو أن تتحرك من مكانك كي يتضح لي صوتك...عن ايهم تتحدث.
قال لي (والصوت قد اتضح قليلا) أحد شبابنا فُقد في العملية يوم أمس، وأظنه استشهد. يا الله أيهم يكون؟ فكلهم أعزة علي كأبنائي، سألته من استشهد أرجوك أخبرني.
قال: الشاب الذي بعثته معي مؤخرًا، قلت له: أنت تقصد أحمد العبودي بالتأكيد، لاحول ولا قوة إلا بالله، لقد ظفر بما أراد، لقد قرأت الشهادة بين عينيه منذ أول يوم رأيته فيه.
ذهب إلى رفيقه الذي كان يستقل معه الناقلة في الهجوم لأعرف التفاصيل، قال: قدمنا يوم أمس في منطقة مليئة بأفراد العدو المتحصنين بالدور المتناثرة في الأراضي الزراعية المحيطة، وقد اعتمدنا في التغطية على دبابة تقف على مسافة منا تعالج مصادر النيران، كنت أنا وأحمد نستقل ناقلة نوع (باجر) يتقدمنا عدد من الهمرات، ولكن فجأة فتحت علينا نيران متوسطة بكثافة ثم انطلق صاروخ (ار بي جي) نحو مدرعتنا ولم أشعر بعدها بشيء لفقدت الوعي للحظات، ولما أفقت وجدت العربة يملؤها دخان أسود والنيران تحيط بنا من كل جوانب الناقلة، لم أرَ شيئا ولم أستطع فعل شيء سوى أني نزلت مسرعا وركضت باتجاه قواتنا من الامتار والنيران تلاحقني ولم أتنبه لرجلي التي أصابها جرح، حين وصلت قواتنا سألتهم ماذا حصل؟ قالوا: يبدو أننا وقعنا في كمين للعدو لكننا اخلينا الجميع وأين أبو رقية إذن قالوا: لاشك أنه بين القوات الآن فالجميع مرهقون وتفرقوا ليستريحوا لا تقلق بشأنه ستعثر عليه.
لم يعلموا بقاء أحمد في الناقلة التي بقيت في أرض المعركة، لقد أصبح الوضع في غاية الخطورة ولايمكن المجازفة بأحد والمدرعة تقف لوحدها على مسافة أكثر من كيلومترين من قواتنا.
لم يهدأ لنا بال إذ لم نحصل على خبر قطعي بشهادته وطفقنا نبحث عنه بين القوات وفي المستشفيات الميدانية لعله نجا كصاحبه، في اليوم التالي اتصل بي مسؤول أحمد وقال لي: ثمة خبر يؤكد استشهاده، قلت له: وكيف؟ قال: اتصل أهل أحمد بصديق لديه علاقات بالمجاهدين في قطاعنا وأخبروه أن شخصا من داعش قد اتصل بهم عبر هاتف أحمد وأنبأهم بلدهم باستشهاده وأنه مات بعد أن قطعت يده ورجله، وعاود هذا الداعشي الاتصال بهم مرات ومرات يكرر القول ذاته في كل اتصال، أخذت رقم هاتف والد الشهيد واتصلت به بعد تردد وقصصت عليه قصة الحادث بالتفصيل.
رد علي على الفور: (حاج نحن نفتخر والله شرفنا بلدنا لكني أود معرفة الجهة التي يعمل معها، إذ إني تعرفت عليك فكأني عثرت على ولدي أحمد نصركم الله وأعزكم).
هذا وكان الشهيد معه هاتفان، أحدهما عادي والآخر ذكي، وبعد مدة اتصل شخص من هاتفه العادي، وكان يتكلم بأسلوب آخر وأكد شهادة أحمد على يد الدواعش وأنه شاهده، وقال إن الدواعش ألقوا بجسده في (بزل البو فياض، وبعد تحرير الفلوجة ذهب الإخوة في الاستخبارات إلى المنطقة وبحثوا عنه ولكن لم يعثروا على جسده الشريف، لقد ترك أحمد أبنته (رقيه) التي رزق بها بعد ما مر على زواجه أكثر من ست سنوات، وها هو يفارقها، ولما تكمل عامها الأول.
لقد رغب أبو رقية بالشهادة وسعى لها سعيها، حتى نالها، فارتقى مقامًا يغبطه عليه كل من عرفه.
المصدر التوثيقي| موسوعة فتوى الدفاع الكفائي| الجزء 75 صفحة 22







