البحث المتقدم

البحث المتقدم

٠٢ ذو القعدة ١٤٤٧

تقرير استذكاري.. الشيخ عمار الكرعاوي: مسيرة المبلغ والمقاتل

 

 

#مؤسسة_الوافي_توثق

في لحظة فارقة من تاريخ العراق المعاصر، حينما خيّمت غيوم الإرهاب المتمثلة بـ "داعش" على مدن الرافدين، مهددةً باختطاف أحلام سكنة هذا البلد العريق، برزت المعادلة العراقية الأصيلة التي تثبت أنَّ العراقيين هم دائمًا الأهل لمواجهة المصاعب مهما بلغت التحديات.

 لم تكن المعركة مجرد صراع عسكري، بل كانت اختبارًا للوجود والكرامة، إذ استحال الانتصار "تحصيلًا حاصلًا" لإيمان شعب قرر الدفاع عن أرضه حتى الرمق الأخير.

كانت فتوى "الدفاع الكفائي" التي أطلقها سماحة المرجع الأعلى السيد علي السيستاني (دام ظله) بمثابة الشعاع الذي أشعل قلوب الأحرار.

لم تكن مجرد نص ديني، بل كانت "البداية الحقيقية لثورة النفس" نحو التحرير.

لقد التزم الملايين بالوصايا والبيانات الصادرة عن المرجعية، واضعين نصب أعينهم هدفًا أسمى: حماية الأرض والعرض والمقدسات من فكر يسعى لتقويض الإسلام المحمدي الأصيل. فكان الشعار الذي تردد في الآفاق هو عهدٌ مع الله والمرجعية لنيل إحدى الحسنيين: "إما النصر أو الشهادة".

تتجلى صورة التكاتف الشعبي في "ناحية الدغارة"، التي تفاعلت مع النداء بشكل منقطع النظير. فمن ملعب النادي الرياضي الذي غصَّ بالمتطوعين، تحول الحماس العفوي إلى تنظيم مدروس بإشراف الشيخ المعتمد ومدير الناحية ووجهاء المنطقة. هناك، انتُخب (800) مقاتل من الغيارى ليتم توزيعهم لاحقًا على الصنوف الأمنية مثل مديرية مكافحة الإرهاب، في مشهد استذكر فيه المقاتلون أيام "بدر" الإسلامية، حيث واجهوا العدو في بداياتهم بقلة في العُدّة وأبسط الأسلحة، لكن بقلوب مفعمة باليقين.

في خضم هذه الأحداث، برز دور الشيخ عمار الكرعاوي كـ "متطوع معتمد"، جامع بين الإرشاد الديني والميدان القتالي وانطلقت رحلته من معركة "جرف النصر"، لتتوالى بعدها المشاركات التي لم تنقطع، إذ كان "ساحات الوغى" مقصده الدائم في كل شهر، يجسد في كلامه وعمله أعلى درجات العزم والإرادة، ممثلًا لنموذج رجل الدين الذي يتقدم الصفوف دفاعًا عن وطنه.

لم يقتصر الجهاد على حمل السلاح، بل شارك المجتمع بكل فئاته؛ من الكسبة والبسطاء الذين قدموا الدعم اللوجستي، وصولًا إلى الأطفال والبراعم الذين جمعوا مدخراتهم البسيطة لدعم القوات الأمنية، لقد استلهم أهالي الدغارة روح الخدمة من "الزيارات المليونية" للإمام الحسين (عليه السلام)، ليحولوا تلك الروح إلى استنفار عام لدعم المقاتلين، مما أعطى دافعًا معنويًا لا يقدّر بثمن للمرابطين في السواتر.

تتمثل القيمة الجوهرية لـ مؤسسة الوافي للتوثيق والدراسات في كونها "الحافظ الأمين للذاكرة الوطنية"، حيث تضطلع بمسؤولية تحويل التضحيات الميدانية والقصص الشفاهية لملحمة الدفاع المقدس إلى سجلات وثائقية رصينة؛ تعتمد في ذلك على منهجية واقعية تجمع بين التحقيق التاريخي الدقيق والصياغة السردية المؤثرة، لضمان صون البطولات الشعبية من الاندثار وتقديمها للأجيال القادمة كشهادة حية على وحدة العراق واستجابته لنداء المرجعية.

مواضيع ذات صلة