البحث المتقدم

البحث المتقدم

الإمام الجواد.. قرة أعين المؤمنين! في ذكرى ولادته عليه السلام

0 تقييم المقال

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

ليس أحدٌ يعرفُ الإمام كما يعرفُه إمامٌ مثله، ولن تجد من يفصح لك عن صفات الإمام الجواد كأبيه الرضا عليهما السلام.

 

كان الإمام الرضا عليه السلام يقول في حقِّ ولده أنَّه: الصَّادِق وَالصَّابِر وَالفَاضِل، وَقُرَّة أَعْيُنِ المُؤْمِنِينَ، وَغَيْظ المُلْحِدِينَ (عيون أخبار الرضا عليه السلام ج‏2 ص250).

 

وقال عليه السلام عنه أنَّه: لَمْ يُولَدْ فِي الإِسْلَامِ مِثْلهُ مَوْلُودٌ أَعْظَمُ بَرَكَةً عَلَى شِيعَتِنَا مِنْهُ (الكافي ج6 ص361).

 

ووصفه جدُّه الإمام الكاظم عليه السلام قبل ولادته فقال أنَّه: غُلَامٌ أَمِينٌ مَأْمُونٌ مُبَارَكٌ (الكافي ج‏1 ص315).

 

إذا كان المتكلِّمُ بهذه الكلمات هو إمامٌ معصومٌ منزَّهٌ، وخليفةٌ لله تعالى في أرضه وسمائه، فإنَّ هذه الأوصاف تكتسبُ أبعاداً عميقةً تستحقُّ الوقوف عندها، وههنا وقفةٌ مع أربعةٍ منها:

 

أولاً: الجواد.. الصابر

 

إذا كان الصبرُ هو رأس الإيمان، وإذا كان أشدُّ الناس بلاءً هم الأنبياء والأوصياء، فلا بدَّ أن يفوق صبرُهم صبرَ العالمين جميعاً.

 

ولقد عانى الإمام الجواد عليه السلام معاناةً عجيبةً مع النَّاس في أيامه، فرغم كونه سليل أطهر نسبٍ في الوجود بأسره، قال فيه الشاكُّون المرتابون أنَّه ليس من ولد أبيه الرضا عليه السلام!! ونسبوه إلى بعض المَوَالي! وَسِنُّهُ يزيد حينها عن السنتين بشهرٍ واحد.

 

ثم أخذوا الإمام عليه السلام إلى القافة في المسجد الحرام بمكة! في مجمعٍ من النَّاس! ولما رآه القافة قالوا: يَا وَيْحَكُمْ! مِثْلَ هَذَا الكَوْكَبِ الدُّرِّيِّ وَالنُّورِ المُنِيرِ، يُعْرَضُ عَلَى أَمْثَالِنَا!

 

وَهَذَا وَالله الحَسَبُ الزَّكِيُّ، وَالنَّسَبُ المُهَذَّبُ الطَّاهِرُ، وَالله مَا تَرَدَّدَ إِلَّا فِي أَصْلَابِ زَاكِيَةٍ، وَأَرْحَامٍ طَاهِرَةٍ، وَوَالله مَا هُوَ إِلَّا مِنْ ذُرِّيَّةِ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَرَسُولِ الله (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ)، فَارْجِعُوا وَاسْتَقِيلُوا الله وَاسْتَغْفِرُوهُ، وَلَا تَشُكُّوا فِي مِثْلِهِ.

 

ليس قولُ القافة هو الذي يبرئ الإمام أو يكشفُ عن عظمته عند الله، بل نورُه الجليُّ الذي لا ينكره إلا جاحدٌ، وكرامته على الله تعالى، حيث أنطقه عزَّ وجلَّ في ذلك السِّنِّ بلسانٍ أرهف من السيف، فقال عليه السلام:

 

الحَمْدُ لله الَّذِي خَلَقَنَا مِنْ نُورِهِ بِيَدِهِ، وَاصْطَفَانَا مِنْ بَرِيَّتِهِ، وَجَعَلَنَا أُمَنَاءَهُ عَلَى خَلْقِهِ وَوَحْيِهِ.

 

مَعَاشِرَ النَّاسِ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الرِّضَا بْنِ مُوسَى الْكَاظِمِ بْنِ جَعْفَرٍ الصَّادِق‏ ابْنِ مُحَمَّدٍ البَاقِرِ بْنِ عَلِيٍّ سَيِّدِ العَابِدِينَ بْنِ الحُسَيْنِ الشَّهِيدِ بْنِ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَابْنِ فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءِ، وَابْنِ مُحَمَّدٍ المُصْطَفَى (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ)، فَفِي مِثْلِي يُشَكُّ! وَعَلَيَّ وَعَلَى أَبَوَيَّ يُفْتَرَى! وَأُعْرَضُ عَلَى القَافَةِ!

 

هي فِريَةٌ على سلالة الطُّهر، وأيُّ فِريَةٍ!

 

نحنُ نعلم أنَّ المؤمن إذا اتَّهم أخاه انماث الإيمان في قلبه كما ينماث الملح في الماء! وأنَّ قول المؤمن لأخيه (أُفٍّ) يقطع ما بينهما من الولاية! فكيف باتِّهام الأئمة عليهم السلام وأمهاتهم وآبائهم في طهارتهم والعياذ بالله؟!!

 

إنَّه أمرٌ يشقُّ على المؤمن سماعه لهوله وعظمه عند الله تعالى!

 

ولقد كشف الإمام عليه السلام في كلماته ما تنفطرُ له القلوب حين قال:

 

وَايْمُ الله، لَوْ لَا تَظَاهُرُ البَاطِلِ عَلَيْنَا، وَغَلَبَةُ دَوْلَةِ الكُفْرِ، وَتَوَثُّبُ أَهْلِ الشُّكُوكِ وَالشِّرْكِ وَالشِّقَاقِ عَلَيْنَا، لَقُلْتُ قَوْلًا يَتَعَجَّبُ مِنْهُ الأَوَّلُونَ وَالآخِرُونَ! (دلائل الإمامة ص385).

 

يكشفُ هذا النصُّ عن تعاون الباطل بأصنافه وألوانه على آل محمدٍ عليهم السلام، فقد أتيح لكلِّ ناعقٍ أن ينعق في دولة إبليس، التي تستمرُّ إلى ظهور الحجة عليه السلام، كما يقول الصادق عليه السلام: دَوْلَةُ إِبْلِيسَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَهُوَ يَوْمُ قِيَامِ القَائِمِ (تأويل الآيات الظاهرة ص780).

 

ولقد اجتمع مع الحكام في تلك الدولة أهلُ التشكيك الذين يعاني المؤمنون منهم في كلِّ عصرٍ ومِصر.

 

لكنَّ الإمام عليه السلام بعدما تكلَّم بتلك الكلمات: وَضَعَ يَدَهُ عَلَى فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، اصْمُتْ كَمَا صَمَتَ آبَاؤُكَ! ﴿فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ (دلائل الإمامة ص385).

 

هو صمتُ الإمام الصابر، لا صمت العاجز عن الكلام!

 

وقد قال الرضا عليه السلام: مَا أَحْسَنَ الصَّمْتَ لَا مِنْ عِيٍّ! (الاختصاص ص232).

 

ولئن كُنتَ ترى العالِمَ يتكلمُ حيناً ويصمت آخر، فلأن التقيَّة قد تستلزم ذلك منه.

 

ولئن لوحظ صَمتُ أهل الحقّ قياساً بأهل الباطل، فلأنهم صابرون كإمامهم الغائب، وقد وصف الإمام الحجةُ عليه السلام العلماءَ وأتباعهم في زمن الغيبة بقوله: فَعُلَمَاؤُهُمْ وَأَتْبَاعُهُمْ خُرْسٌ صُمْتٌ فِي دَوْلَةِ البَاطِلِ، مُنْتَظِرُونَ لِدَوْلَةِ الحَقِّ (الكافي ج1 ص335).

 

ثانياً: الجواد.. المبارك

 

لقد وردَ في بركة الإمام الجواد عليه السلام نَصَّان عن أبيه الرضا عليه السلام، في أولهما يقول: هَذَا المَوْلُودُ الَّذِي لَمْ يُولَدْ مَوْلُودٌ أَعْظَمُ بَرَكَةً عَلَى شِيعَتِنَا مِنْه‏ (الكافي ج1 ص321).

 

وفي ثانيهما يقول: هَذَا المَوْلُودُ الَّذِي لَمْ يُولَدْ فِي الْإِسْلَامِ مِثْلُهُ مَوْلُودٌ أَعْظَمُ بَرَكَةً عَلَى شِيعَتِنَا مِنْه‏ (الكافي ج6 ص361).

 

ولم يصلنا مثل هذا الحديث في سائر الأئمة عليهم السلام إلا في الإمام الكاظم عليه السلام، حين قال فيه الإمام الصادق عليه السلام: لَمْ يُولَدْ فِينَا مَوْلُودٌ أَعْظَمُ بَرَكَةً عَلَى شِيعَتِنَا مِنْه‏ ‏ (الكافي ج1 ص309).

 

وسواء أريد بهذه البركة:

 

1. بركةُ الإمامة العامة، التي يشترك فيها الإمام الجواد عليه السلام مع سائر الأئمة، كبركة العلم والمعرفة العامة، وكمال الدين وعز المؤمنين، وغير ذلك من خصال الإمام التي تظهر البركة فيها ولا حَدَّ لها.

 

2. أو بركةٌ خاصةٌ به عليه السلام، كَظُهُورِ آثارُ وُجُودِهِ وَجُودِهِ على الشيعة في زمنه خاصة، وهو الذي قال فيه أبوه الرضا عليه السلام: وَالله لَا تَمْضِي الْأَيَّامُ وَاللَّيَالِي حَتَّى يَرْزُقَنِيَ الله ذَكَراً يُفَرِّقُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِل‏ (الإرشاد ص277).

 

أو غير ذلك من الوجوه المحتملة، فإنَّ بركة الإمام تفوقُ بلا شكٍّ كلَّ بركةٍ في الوجود، سواء في ذلك:

 

1. بركة الكتاب المنزَل ﴿وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ﴾ (الأنعام92).

 

2. وبركة البيت الحرام ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذي بِبَكَّةَ مُبارَكاً﴾ (آل عمران96).

 

3. وبركة روح الله ﴿وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْت‏﴾ (مريم31).

 

وغيرها من البركات، فإنَّ بركة الإمام عليه السلام تفوقُ كلَّ بركة.

 

ولئن كان الصادق عليه السلام قد فسر قول عيسى عليه السلام (مباركاً) بقوله (ع) (نفَّاعاً) (الكافي ج2 ص165)، فإنَّ النَّفعَ من الإمام لا يُحصَر، لأنَّه بابُ كلِّ نفعٍ ونعمةٍ ينزلها الله تعالى، وقد قال عزَّ وجل: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ الله لا تُحْصُوها﴾ (النحل18).

 

دلَّ على ذلك ما ورد عنهم عليهم السلام: مَنْ أَرَادَ الله بَدَأَ بِكُمْ.. بِكُمْ فَتَحَ الله وَبِكُمْ يَخْتِمُ الله‏.. بِكُمْ يَفُكُّ الذُّلَّ مِنْ رِقَابِنَا.. بِكُمْ تُنْبِتُ الْأَرْضُ أَشْجَارَهَا، وَبِكُمْ تُخْرِجُ الْأَشْجَارُ أَثْمَارَهَا، وَبِكُمْ تُنْزِلُ السَّمَاءُ قَطْرَهَا وَرِزْقَهَا.. إِرَادَةُ الرَّبِّ فِي مَقَادِيرِ أُمُورِهِ تَهْبِطُ إِلَيْكُمْ وَتَصْدُرُ مِنْ بُيُوتِكُم‏.. (الكافي ج4 ص577).

 

والكلام بعد هذا الكلام من فضول القول!

 

ثالثاً: الجواد.. قرة أعين المؤمنين وغيظ الملحدين

 

تقرُّ عينُ المؤمن بإمامه في حياته وعند موته، وأهمُّ ما ينفع المؤمن هو تعلُّمُ علوم آل محمد عليهم السلام، ثمَّ العمل بها، ليظلَّ ثابتاً على ولايتهم، فينتفع بها في قبره ونَشره وحَشره.

 

وأما الملحد في دين الله، أي المائل عنه، الذي يحيد ويعدل إلى غيره، فإنه يغتاظ بظهور الحقّ على يد الإمام عليه السلام.

 

ورأس الدين هو معرفة الله تعالى، وقد أُثِرَ عن الإمام الجواد عليه السلام في ذلك معانٍ عظيمة منها:

 

المعنى الأول: أنَّ عظمة الله تعالى لا حدَّ لها

 

وأن ذات الله تعالى لا يمكن أن تُدرَكَ بأيٍّ من الحواس، حتى بأوسعها، وهو الوهم.

 

قال الإمام الجواد عليه السلام: مَا وَقَعَ وَهْمُكَ عَلَيْهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَهُوَ خِلَافُهُ، لَا يُشْبِهُهُ شَيْ‏ءٌ وَلَا تُدْرِكُهُ الأَوْهَامُ، كَيْفَ تُدْرِكُهُ الأَوْهَامُ وَهُوَ خِلَافُ مَا يُعْقَلُ، وَخِلَافُ مَا يُتَصَوَّرُ فِي الأَوْهَامِ (الكافي ج1 ص82).

 

فذات الله تعالى ليست قابلةً للإدراك بالعقل أو حتى بالوهم، لأنها لو كانت كذلك لوقعت المشابهة بينه وبين سواه، والله تعالى لا يشبه شيئاً، ولو كان يشبه شيئاً فإما أن يستحقَّ هذا الشيء الألوهية معه، أو لا يكون هو مستحقاً لها.

 

وإذا كانت الأوهامُ أعجزَ من أن تناله تعالى، فإنَّ أبصار العيون أولى بالعجز، وقد قال الإمام الجواد عليه السلام: أَوْهَامُ القُلُوبِ أَدَقُّ مِنْ أَبْصَارِ العُيُونِ: أَنْتَ قَدْ تُدْرِكُ بِوَهْمِكَ السِّنْدَ وَالهِنْدَ وَالبُلْدَانَ الَّتِي لَمْ تَدْخُلْهَا وَلَا تُدْرِكُهَا بِبَصَرِكَ، وَأَوْهَامُ القُلُوبِ لَا تُدْرِكُهُ، فَكَيْفَ أَبْصَارُ العُيُونِ؟! (الكافي ج1 ص99).

 

وهكذا يعلم حال من يقول بتجسيم الله تعالى، فقد سئل الإمام الجواد عليه السلام عن الصلاة خلفهم فقال: لَا تُصَلُّوا خَلْفَهُمْ وَلَا تُعْطُوهُمْ مِنَ الزَّكَاةِ، وَابْرَءُوا مِنْهُمْ بَرِئَ الله مِنْهُمْ (الأمالي للصدوق ص277) حيث يلزم من اعتقادهم أن يكون الله تعالى حالاً في المكان كسائر الأجسام، فيكون محدوداً محتاجاً إلى المكان، وهذه صفات المخلوقين دون الخالق.

 

المعنى الثاني: حول حقيقة الصفات والأسماء

 

إنَّ مسألة صفات الله تعالى من أكثر المسائل التي يحتاجُ الناس فيها الى الإمام كي يُبَيِّنَ لهم حقيقتها.

 

فإنهم إذا اعتقدوا أنَّ الله تعالى كان متصفاً بصفاتٍ كصفاتهم أو أعلى وأكمل منذ الأزل، كالعلم والقدرة وغيرها، فهذا يعني أن تعالى قد تركَّبَ من أجزاء، وكان مفتقراً إليها، وهذا باطل.

 

وإذا اعتقدوا أنَّه تعالى لم يكن متَّصفاً بالعلم والقدرة منذ الأزل، فهذا يعني أنه كان فقيراً ثم صار غنياً، وهذا باطلٌ بلا ريب.

 

كيف السبيلُ إذا؟

 

لقد اعتقد الشيعة أن صفات الله تعالى هي عينُ ذاته، وهذا أيضاً يحتاجُ إلى تفسير.

 

لقد سئل الإمام الباقر عليه السلام فقيل له: أَخْبِرْنِي عَنِ الرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَهُ أَسْمَاءٌ وَصِفَاتٌ فِي كِتَابِهِ، وَأَسْمَاؤُهُ وَصِفَاتُهُ (هِيَ هُوَ)؟

 

فشرح الإمام عليه السلام هذا المعنى جلياً حين قال:

 

إِنَّ لِهَذَا الكَلَامِ وَجْهَيْنِ:

 

إِنْ كُنْتَ تَقُولُ (هِيَ هُوَ) أَيْ إِنَّهُ ذُو عَدَدٍ وَكَثْرَةٍ، فَتَعَالَى الله عَنْ ذَلِكَ.

 

إذا قصدنا من كون أسماء الله وصفاته هي الله كون (الله هو العلم)، وهو القدرة والحياة، فقد صار الله تعالى متعدِّداً منذ الأزل! وهذا باطلٌ.

 

وإذا قلنا أنَّه واحدٌ في الوقت نفسه، فقد صار مركَّباً من هذه الصفات بأسرها! وهذا باطلٌ جزماً، لأنه لا يعقل التعدُّد ولا التركيب في الإله.

 

ثم أكمل عليه السلام فقال:

 

وَإِنْ كُنْتَ تَقُولُ هَذِهِ الصِّفَاتُ وَالأَسْمَاءُ لَمْ تَزَلْ، فَإِنَّ (لَمْ تَزَلْ) مُحْتَمِلٌ مَعْنَيَيْنِ:

 

أ. فَإِنْ قُلْتَ لَمْ تَزَلْ عِنْدَهُ فِي عِلْمِهِ وَهُوَ مُسْتَحِقُّهَا، فَنَعَمْ.

 

هذا هو المعنى الحقّ، وهو يعني أنَّ الله تعالى منذ الأزل مستحقٌّ بأن يوصف بالعلم والقدرة والحياة، لكن هذه الصفات ليست أموراً أزلية غير الله، ولا أموراً يتركب منها الله تعالى، فالله تعالى ذاتٌ أحديَّةٌ لا تعدُّدَ فيها ولا تركُّب.

 

أي أن ذات الله تعالى ليس لها صفاتٌ زائدة عليها كما نحن، فلكلِّ منا صفاتٌ تغاير ذاته، والله تعالى لا يمكن أن يوصف بمثل هذه الصفات المغايرة لذاته، وذاته المقدَّسة ليس فيها تركب من هذه الصفات.

 

إذا كيف نصف الله بها؟ يكمل عليه السلام فيقول:

 

ب. وَإِنْ كُنْتَ تَقُولُ لَمْ يَزَلْ تَصْوِيرُهَا وَهِجَاؤُهَا وَتَقْطِيعُ حُرُوفِهَا، فَمَعَاذَ الله أَنْ يَكُونَ مَعَهُ شَيْ‏ءٌ غَيْرُهُ، بَلْ كَانَ الله وَلَا خَلْقَ، ثُمَّ خَلَقَهَا وَسِيلَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِهِ يَتَضَرَّعُونَ بِهَا إِلَيْهِ وَيَعْبُدُونَهُ!

 

 

 

أي أن هذه الصفات التي نتلفظ بها كلفظ (عالم)، المركب من أحرف، والذي يمكن تخيُّل معناه، وتصوُّره في الذِّهن، وخطوره في البال، وسائر الصفات كلها مخلوقةٌ، وهي مغاير لله تعالى.

 

ومعنى القدرة الذي نتخيله، أو أحرف كلمة القدرة، أو الصوت الذي نتلفظه، كل هذه أشياء مخلوقة حادثةٌ لم تكن فكانت.

 

ونحن إنما نصفُ الله تعالى بهذه الصفات، ونسميه بهذه الأسماء كي تكون طريقاً للتوجه إليه وعبادته وذكره، بعد أن سمى نفسه بها ووصفها بما سَوَّغ لنا وصفه به.

 

ثم يقول عليه السلام: وَالأَسْمَاءُ وَالصِّفَاتُ مَخْلُوقَاتٌ وَالمَعَانِي (مخلوقات المعاني)، وَالمَعْنِيُّ بِهَا هُوَ الله الَّذِي لَا يَلِيقُ بِهِ الِاخْتِلَافُ وَلَا الِائْتِلَافُ، وَإِنَّمَا يَخْتَلِفُ وَيَأْتَلِفُ المُتَجَزِّئُ.

 

فالمعبود هو الله تعالى وحده، ونحن لا نعبد هذه الصفة أو ذلك الإسم، فإن الأسماء والصفات مخلوقةٌ كما تقدَّم، وهي طريقٌ لعبادة الله تعالى، أي المعنى، وهو تعالى لا اختلاف فيه من حال الى حال، وليس فيه أجزاء مجتمعة، ولا متفرقة.

 

ثم يقول عليه السلام: وَلَكِنَّهُ القَدِيمُ فِي ذَاتِهِ، لِأَنَّ مَا سِوَى الوَاحِدِ مُتَجَزِّئٌ، وَالله وَاحِدٌ لَا مُتَجَزِّئٌ وَلَا مُتَوَهَّمٌ بِالقِلَّةِ وَالكَثْرَةِ، وَكُلُّ مُتَجَزِّئٍ أَوْ مُتَوَهَّمٍ بِالقِلَّةِ وَالكَثْرَةِ فَهُوَ مَخْلُوقٌ دَالُّ عَلَى خَالِقٍ لَهُ.

 

ثم يبين عليه السلام في حديثٍ طويل لوازم المشابهة بين الله وخلقه، فيقول في بيان بديعٍ أنَّا لو وصفنا الله بقوة البطش المعروفة في المخلوقين مثلاً: لَوَقَعَ التَّشْبِيهُ، وَلَاحْتَمَلَ الزِّيَادَةَ، وَمَا احْتَمَلَ الزِّيَادَةَ احْتَمَلَ النُّقْصَانَ، وَمَا كَانَ نَاقِصاً كَانَ غَيْرَ قَدِيمٍ، وَمَا كَانَ غَيْرَ قَدِيمٍ كَانَ عَاجِزاً!

 

فَرَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَا شِبْهَ لَهُ وَلَا ضِدَّ وَلَا نِدَّ، وَلَا كَيْفَ وَلَا نِهَايَةَ وَلَا تَبْصَارَ بَصَرٍ، وَمُحَرَّمٌ عَلَى القُلُوبِ أَنْ تُمَثِّلَهُ، وَعَلَى الأَوْهَامِ أَنْ تَحُدَّهُ، وَعَلَى الضَّمَائِرِ أَنْ تُكَوِّنَهُ، جَلَّ وَعَزَّ عَنْ أَدَاةِ خَلْقِهِ وَسِمَاتِ بَرِيَّتِهِ، وَتَعَالَى عَنْ ذَلِكَ عُلُوّاً كَبِيراً (الكافي ج1 ص116).

 

هذه بعضُ كلمات الإمام الجواد العظيمة في التوحيد، التي يستحقُّ كلُّ لفظٍ منها أن يُدرَسَ ويُدَرَّس، وقد عرَّجنا عليها سريعاً، لتظهر بعضُ آثاره، في ذكرى ولادته عليه السلام، فتقرُّ بها أعين المؤمنين، ويغتاظ الملحدون المعاندون.

 

أسعد الله أيامنا وأيامكم، وجعلنا الله من شيعته الذين يحبهم ويحبونه، ويأمرهم فيطعيونه.

 

والحمد لله رب العالمين

 

الأربعاء 10 رجب 1447 هـ، الموافق 31 – 12 – 2025 م

نعم
هل اعجبك المقال