أكّد المتولّي الشرعيّ للعتبة العبّاسية المقدّسة سماحة العلّامة السيد أحمد الصافي، أهمّية السعي المستمرّ للحفاظ على التراث الفكريّ للعلماء الأعلام، وصونه من الضياع.
جاء ذلك في كلمة سماحته ضمن فعّاليات المؤتمر العلميّ الدوليّ عن السيد المجاهد (قدّس سرّه)، الذي ينظّمه مركزُ الشيخ الطوسي للدراسات والتحقيق التابع للهيأة العُليا لإحياء التراث، ومركزُ تصوير المخطوطات وفهرستها التابع لقسم الشؤون الفكرية والثقافية في العتبة المقدّسة، بهدف تخليد ذكرى السيد المجاهد (قدّس سرّه)، واستحضار مسيرته الفكرية، وتسليط الضوء على إرثه العلميّ.
وأشار سماحته إلى أنّ مضامين المؤتمر وبحوثه غنيّةٌ كفايةً بما يخصّ حياة السيد المجاهد، وكتابه المناهل وإرثه الآخر، وشرح البيئة التي عاش فيها وما تركه من آثارٍ طيّبة.
وتطرّق سماحته إلى الجهد الكبير الذي بُذِل من أجل الحفاظ على إرث العلماء الأعلام، رغم الظروف القاسية، خصوصًا أنّ تاريخ العراق وبحُكم موقعه الجغرافي عانى من مشاكل كثيرة وواسعة، وقد ولّد ذلك حالةً من عدم الاستقرار.
وبيّن سماحته، أنه رغم الظروف الصعبة دأب العلماء على أن يتحدّوا الظرف فكتبوا ودرّسوا، ثم رحلوا عن هذه الدنيا، ليُكتب لبعض المصنّفات التوفيق وتبقى على ألسنة الطلبة والأفاضل، ويحصل اهتمامٌ بها لتخرج من المخطوط إلى المطبوع، أو إلى طريقة الاستنساخ القديمة، وتشتهر.
ولفت إلى أن من المسؤولية الأخلاقية إظهار هذه الثروة إلى الملأ، وبذل جهدٍ كبيرٍ في رصدها وتبويبها وفهرستها وطباعتها.
مؤكّداً أن الرأي لا يُمكن الحصول عليه إلّا من خلال الكتاب، الذي ينقل الرأي بالمباشر من المؤلّف، أو ينقله من شخص إلى آخر، وفي بعض الحالات هذا النقل قد يمرّ بحالةٍ من التصحيح أو عدم الدقّة، ما يسبّب نوعاً من الضبابية في هذا الرأي.
وذكر سماحته، أن علم المخطوطات علمٌ نفيس ولا بُدّ من الاهتمام به، ولعلّ كثيراً من المخطوطات الآن لم تصل لنا بفعل الظروف، أو تُباع بأبخس الأثمان، لمن لا يعرف قيمتها، فيذهب تاريخها ومحتواها، ولا يُعلَمُ مصيرها، وقد تمزّق أغلبها كما حصل في الانتفاضة الشعبانية عام 1991 على يد أزلام الحكم آنذاك، فتحوّلت إلى وقودٍ مثلاً لصناعة الشاي!!!.
وشدّد سماحته على أن الاهتمام بتراث أهل البيت(عليهم السلام) مهمّةٌ أخلاقية تحتاج إلى دوام واستمرار.
وجاء في نصّ الكلمة:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربّ العالمين.
وصلّى الله على سيّدنا ونبيّنا خير خلقه أبي القاسم محمد وعلى آله الطيّبين الطاهرين...
السادة الحضور الأفاضل، الأساتذة الذين يسعون جاهدين للاهتمام بالدرس والتدريس في حوزة النجف الأشرف، والإخوة الأعزّاء الذين وفدوا إلينا من خارج العراق، أسأل الله تعالى أن يديم علينا جميعاً نعمة الدرس والتدريس والاشتغال جميعًا، أحيّيكم بتحيّة الإسلام، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا لا أريد أن أعرّف هنا بالسيد المجاهد ولا بكتاب المناهل، وإنّما سيشنّف أسماعنا الأعزّة من خلال بحوثهم التي وصلت إلى المؤتمر، وفيها غنى وكفاية عن حياة السيد المجاهد من جهة، وعن كتابه المناهل وعن إرثه الآخر، والبيئة التي عاش فيها، وما تركه هذا الكتاب أو السيد من آثار طيّبة من جهة أخرى، إن شاء الله تعالى سيمرّ الإخوة الأعزاء عليها، لكن أنا أريد أن أنوّه إلى مطلبٍ يعتبر هذا المؤتمر من مصاديقه، وهو مطلبٌ كلّي، وهذا المؤتمر يكون من مصاديقه، كثيرٌ من علمائنا الأبرار تركوا إرثًا فكريًا منوّعًا، ويدور هذا الإرث بين الفقه وهو العمدة، وبين الأصول، سواء كانت الأصول القديمة قبل الشيخ، أو الأصول بعد الشيخ، وأيضًا التفسير والعقيدة، وكلّما سمح لهم المجال بأن يكتبوا أو يدرّسوا أو يؤلّفوا.
وحقيقةً الجهد الذي بُذِل من أجل الحفاظ على هذا الإرث جهدٌ كبيرٌ وواسع، وكانت يد الله تعالى معهم رغم الظروف القاسية التي مرّوا بها، والمعلوم أنّ الذي يقرأ تاريخ العراق، يرى أن العراق بلدٌ بحُكم موقعه الجغرافي عانى من مشاكل كثيرة وواسعة، وقد ولّد ذلك حالةً من عدم الاستقرار، يعني بين الحين والآخر تكون هناك اضطرابات في هذا البلد، وهذا ليس بالأمر الحادث، وما هجرة الشيخ الطوسي من بغداد إلى النجف الأشرف إلّا بسبب بعض المشاكل التي اضطرّته إلى أن يترك بغداد، وإن شاء الله تعالى ستكون للعتبة العبّاسية المقدّسة بصمةٌ في إحياء ألفيّة الحوزة العلمية التي بدأت بهجرته.
رغم تلك الظروف الصعبة، دأب علماؤنا على أن يتحدّوا الظرف، فكتبوا ودرّسوا، ثمّ رحلوا عن هذه الدنيا.
بعض المصنّفات كُتِب لها التوفيق أن تبقى على ألسنة الطلبة والأفاضل، وحصل اهتمامٌ بها، فخرجت من المخطوط إلى المطبوع، أو إلى طريقة الاستنساخ القديمة بحيث اشتهرت النسخ.
خصوصيّة العالم، أو خصوصية الكتاب قد لا تكون معلومةً لنا بجميعها، لكن بالنتيجة هناك مجموعة من الكتب وبحمد لله لم تُخفَ علينا، ووصلت إلينا الآن، وهي منذ مئات السنين.
لا أتحدّث عن المصادر الحديثيّة فإنّ هذه قطعاً كان لها اهتمامٌ خاصّ، والحمد لله وصلت إلينا، ولولا الأصول الأربعمئة لكان الأغلب قد ضاع، لكن المقصود أنّ هؤلاء الأعاظم تركوا هذه الثروة الفكرية.
أنا أعتقد أنه من المسؤوليّة الأخلاقية -خصوصًا ممّن يده الآن فيها نوع من البسط-، أن نظهر هذه الثروة إلى الملأ، ونبذل جهدًا كبيرًا في رصدها وتبويبها وفهرستها وطباعتها.
وقطعًا أنتم تعلمون أنّ الرأي لا يمكن أن نحصل عليه إلّا من خلال الكتاب، وهذا الكتاب إمّا أن ينقل الرأي بالمباشر، يعني من قِبل المؤلّف، أو ينقله المؤلّف من شخصٍ إلى آخر، وفي بعض الحالات هذا النقل قد يمرّ بحالةٍ من التصحيح، أو حالةٍ من عدم الدقّة، ممّا يسبّب نوعًا من الضبابية عن هذا الرأي.
إظهار المكنونات من الكتب، ومخزونات هذا التراث، أعتقد أنّها من المسؤولية المهمّة، ونحن أخذنا على عاتقنا أن نسعى لذلك جهد الإمكان، وبحمد الله تعالى، الإخوة في مراكزنا المتنوّعة سعوا جاهدين للبحث عن المخطوطات في كلّ مكان، وحيثما نسمع بوجود مجموعةٍ من المخطوطات، سواء كان في المكتبات الشخصية أو المكتبات العامّة في العراق وفي إيران وفي لبنان وفي تركيا وفي الهند، في أيّ مكانٍ نسمع به نحاول أن نذهب إليه، والحمد لله فُتِحت أبوابٌ كثيرة، وصوّرنا كثيرًا من المخطوطات، وفهرسنا أيضًا كثيرًا من المخطوطات، وهي تحت خدمة الأعزّة الباحثين.
بالنسبة لمعاشر الطلبة وأنا أصغر طالب، أعتقد عندما أقرأ الجهد الكبير الذي صنّفه العالم الفلاني، وبعض العلماء، كان يذيّل الظرف الذي عاش فيه في نهاية المطلب، أو في بدايته، وأعتقد أن الذي يطالع (مفتاح الكرامة) للسيد العاملي، يرى بوضوح أن الظروف التي كتب فيها كانت فيها النجف الأشرف تعيش حالة من الهجمات الكثيرة من قبل الوهّابية، وكان يذكر بعض الظروف التي مرّوا بها.
مع هذا الظرف كانوا لا يملّون من الدرس والكتابة، بل الإصرار على ذلك، وكلّما اسودّت الأيّام، كلّما صار الإصرار على بذل المزيد من الجهد، وهذا قطعًا يُعطي للطلبة المعاصرين دافعًا وقوّة ويُريهم أنّ هؤلاء العلماء كانوا بهذا المستوى من التحدّي للظرف، حتّى وصلت إلينا الأمور إلى ما هي عليه الآن.
بالنسبة إلى المخطوطات، واقعًا ليست فيها قيمة في الجانب الفكري فقط، نعم.. هذا بنفسه هو مهم، لكن المخطوطات يُمكن أن تُقرأ من أكثر من زاوية، فكثيرٌ من التأريخ لم يصل، وهذا تنويه إلى أنّنا في العراق عندنا مشكلة في التوثيق، مع أن ثقافة التوثيق ثقافة مهمّة، وقد يخاف أغلبنا من التوثيق، لأنّ بعض الأمور التوثيقية فيها إشارة إلى الوضع السياسي، والعراق مرّ بأوضاعٍ سياسية غير مستقرّة، فمذكّرات الإخوة الذين عاشوا في تلك الفترات، وما يتعلّق بالتوثيق منها، غالبًا كانت تُحفظ في الصدور، وليس في السطور، وإذا وُفّق ونقَلَها إلى آخرين فبها، وإذا ما وُفِّق فستموت وتُقبر معه.
وعندنا تاريخ كثير قد ضاع بسبب اللامبالاة، أو العمدية، نتيجة الظرف.
المخطوطات تكشف عن تاريخٍ مهمّ جدًّا، فمثلاً في أيّ سنةٍ كُتِبت؟، المكان الذي كُتِبت فيه، كُتِبت لأجل مَن؟، الموضوع الذي تناولته؟، الحفاظ على المخطوطة، خصوصًا بعض المخطوطات الآن عمرها أكثر من 600 سنة أو 700 سنة، الحفاظ على هذه المخطوطة مهم، دواعي الحفاظ لم تكن سهلة، يعني القرآن الكريم يُمكن أن يُحفظ، باعتبار أنّ هذه القضية تهمّ جميع المسلمين، أمّا المخطوطات التي تتعلّق بعلوم أهل البيت (عليهم السلام)، مع ما مرّ على هذا من ظروفٍ حقيقة، هذا بنفسه شأنٌ يُحترم.
ولذا علم المخطوطات -هذا العلم النفيس- أقول لا بُدّ من الاهتمام به، ولعلّ كثيرًا من المخطوطات الآن لم تصل إليها أيدينا، وبعض الإخوة من أهل المخطوطات يحافظ على المخطوطة، لأن فيها قيمة، لدرجة أن الحفاظ عليها يدًا بيد، إلى أن -لا قدّر الله- قد تنتهي بها النوبة إلى أنّ هذه المخطوطة تباع بأبخس الأثمان!!! وقد تُباع لمن لا يعرف قيمتها!! فيذهب علينا تاريخها، ويذهب علينا محتواها، ولا نعلم مصيرها، بل قد تمزّق أغلبها، كما رأينا وسمعنا فيما حصل في الانتفاضة الشعبانية عام 1991، فكثيرٌ من المخطوطات قد مُزّقت على يد أزلام الحكم آنذاك، وقد جُعِلت وقودًا مثلاً لصناعة الشاي!!!.
الاهتمام بتراث أهل البيت(عليهم السلام) -كما قلت- هو مهمّةٌ أخلاقية، وتحتاج إلى دوامٍ واستمرار، فالرأيّ العلمي نحتاجه دائمًا.
عندنا إحالة لمطلب، ونذكر هذا المطلب، وقد نعتقد أنّه من مبتكرات (سين)، لكنه ليس من مبتكرات (سين)!!! وإنّما هو (سين عيال على صاد)، لكن كتاب (صاد) غير موجود، فهناك أكثر من حقّ في إعادة التراث.
والحمد لله هناك بعض الإمكانية لتوسيع هذه المسألة، وطباعة الكتب النفيسة، والمناهل كان مطبوعًا حجريًّا في بعض أجزائه، والبعض الآخر كان مخطوطًا، والحمد لله تفضّل علينا السادة وسيُذكر إن شاء الله تعالى هذا في أثناء البحوث، وكيفية الشروع بهذا الكتاب المبارك، تفضّل به السيد مرتضى الحجّة (سلّمه الله تعالى)، قبل حفنةٍ من السنين، وبدأنا بمتابعة هذا الكتاب خطوةً فخطوة إلى أن وصل إلى ما سنشاهده -إن شاء الله- في نهاية هذه الجلسة.
دعاؤنا لكلّ الإخوة الأعزاء الذين آزرونا وأيّدونا، ووافقوا على أن نشمّر عن سواعدنا من أجل إحياء تراث علمائنا الأعلام، حتى نراها على هذه الحلّة لتكون تحت خدمة الأفاضل والسادة والطلّاب.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يمنّ على النجف الأشرف وعلى كلّ الحواضر العلمية، بالأمن والأمان، وأن يوفّق العاملين والمشتغلين لما فيه خيرُ الدنيا وسعادة الآخرة، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على محمّدٍ وعلى آله الطيّبين الطاهرين.






