البحث المتقدم

البحث المتقدم

من أنا؟ تساؤلات الهوية حين يكون الوطن أولاً

0 تقييم المقال

 

تلقيتُ في الآونة الأخيرة اتصالات ورسائل عديدة من أشخاص لم تجمعني بهم معرفة سابقة، سوى ما نسجته كلماتي في مقالاتي وتعليقاتهم عليها عبر منصات التواصل المختلفة. قرّاء لا أدّعي أنهم من المعجبين، بل من المتصفحين المتأملين، تساءلوا بفضول مشروع: من أكون؟

    والبداية، قبل كل شيء، كلمة شكر وتقدير لهم. فالإنسان حين يتجاوز عتبة الستين من عمره، وهو مثقل بتجارب الوظيفة والحياة وتقلباتها، يجد نفسه مدفوعًا لأن يبوح بما اختزنته الذاكرة، وأن يوصل خلاصات تلك الرحلة إلى الآخرين، قبل أن يأتي الرحيل إلى الدار الآخرة، فتُطوى الصفحات ويغيب ما لم يُكتب أو يُقَل.

      أنا قارئٌ نَهِم منذ سبعينيات عمري، بل قبل ذلك، ألتهم كل ما تقع عليه يدي من صحيفة أو مجلة أو كُتيّب صغير، قصة كانت أم رواية. أصغي بشغف إلى حكايات كبار السن، أولئك الحكماء الذين صقلتهم التجربة، وأجد في رواياتهم، سواء أكانت حزينة أم مفرحة، متعة ومعرفة لا تُقدّر بثمن. أحببت الجغرافيا منذ الصغر، وافتتنت بالخرائط، فكنت أطوف بخيالي قارات العالم، أتعلم أسماء العواصم وأتعرّف على البلدان وأنا لا أزال في المرحلة الابتدائية.

      ثم كانت بغداد، وحقوق بغداد تحديدًا طريقي في الحياة، حيث بدأت مرحلة جديدة من حياتي، شققتها بين المحاماة والعمل الوظيفي والدراسة الأكاديمية، حتى نلتُ شهادتي الماجستير والدكتوراه. هناك اتسعت مداركي أكثر فأكثر في السياسة والقانون والاقتصاد، وازددت نفورًا من القيل والقال، وإيمانًا بأن الكلمة مسؤولية.

       أن كل مقال أكتبه لا بد أن يحمل هدفًا: معالجة خلل، أو اقتراح بديل، أو إيصال رسالة تصوّب خطأ في مؤسسة ما، أو نقد حالة تمس حياة الفقراء وتعكر صفوهم. تنقلت بين معظم عواصم العالم، مرة سائحًا، وأخرى موظفًا دبلوماسيا، ومفاوضًا عنيدا لحقوق بلدي في الشأن الدولي، لا أقدم قوميتي أو ديني أو طائفتي أو عشيرتي عل عملي بل ، عراقيتي أولاً، محافظًا على مصالحه ما استطعت إلى ذلك سبيلًا.

   في كل كلمة أكتبها، تتجسد أمامي صورة الوطن كاملة، من زاخو إلى الفاو، وطنٌ أرفض أن يُمزق أو يُجزأ. وأرى شعبي بكل مكوناته، قومياته وطوائفه، كيانًا واحدًا يتجه بولائه وانتمائه إلى هدف واحد؛ ولاءٌ لا يتعارض مع القبلة التي أمرنا الله بها، الكعبة المشرفة، بل يوازيها في معناها الوطني، وهي بغداد. فمن حوّل ولاءه أو محبته أو تعاطفه إلى غيرها، أو أنزلها منزلة أدنى، فقد سقط من عيني ومن عين كل مخلص لوطنه، وسجله التاريخ بأقسى العبارات.

     أمضيتُ مرحلةً من حياتي المهنية في وزارة الخارجية، وأعمل حاليًا أستاذًا أكاديميًا في القانون بإحدى الجامعات الأهلية. أحمل رصيدًا متنوعًا من الشهادات في القانون، والأدب الإنجليزي، والإدارة القانونية. وقد أسفرت مسيرتي العلمية والفكرية عن نشر ما يزيد على مئةٍ وخمسين مقالة في مجالات متعددة، إلى جانب عشرات البحوث القانونية في مختلف المجلات، وستة مؤلفات في التخصص القانوني، وشكّلت هذه الأعمال مجتمعةً مسارًا معرفيًا تتقاطع فيه ثنائيات القانون والسياسة، ويتجاور الاقتصاد مع الأدب، وتتحاور الفلسفة مع الرياضة، فضلًا عن سائر الحقول المعرفية التي تلامس نبض المجتمع حينًا، وتشتبك مع الشأن الإنساني والعالمي حينًا آخر.

     لقدْ حرصتْ في كتاباتي، على أنْ يكونَ الوطنُ في صدارةِ الاهتمام؛ تشخيصا لإشكالاته، وإضاءةٌ على أزماته، واقتراحا لبدائلِ عمليةٍ تستندُ إلى النصوصِ القانونيةِ النافذة، وتستأنسَ بالآياتِ القرآنيةِ الكريمة، والحكمُ المأثورة، ونفحاتُ الشعر، استلهاما لغنى اللغةِ العربية، وسعةُ آفاقها المعرفية، وارتكازا على القرآنِ الكريمِ بوصفهِ منبعا للقيمِ والأخلاق، ومصدرا للهدايةِ والصبرِ والسلوان، ودعوةُ دائمةٌ إلى القراءةِ والمعرفة. أنتمي إلى طيفِ الكتابِ القانونيينَ الذينَ يشتغلونَ في المساحةِ المشتركةِ بينَ القانونِ والدبلوماسيةِ والسياساتِ العامة، حيثُ تتسمُ مقالاتي بنزعةٍ تحليليةٍ رصينة، تستندَ إلى مرجعيةٍ قانونيةٍ واضحة، وخبرةُ معرفيةٌ في العلاقاتِ الدولية. ولا تقفُ كتاباتي عندَ حدودِ التنظيرِ المجرد، بلْ تسعى إلى تفكيكِ الوقائعِ السياسيةِ والقانونيةِ المعاصرة، وربطها بالأطرِ الدستوريةِ والمواثيقِ الدوليةِ ذاتِ الصلة، في محاولةٍ لردِ الحدثِ إلى سياقهِ القانوني، وتحريرهُ منْ الانطباعيةِ والتهويل.

   أعتمدُ في منهجيٍ الكتابيِ مقاربةَ عقلانيةٍ هادئة، بعيدةً عنْ الانفعالِ والمزايدات، معَ التزامٍ ثابتٍ بإسنادِ الرأيِ بالحججِ القانونية، والنصوصُ الدستورية، والاتفاقياتُ الدولية. ويبرزَ في مجملٍ إنتاجيٍ اهتمامٍ خاصٍ بمفاهيمِ سيادةِ الدولة، والشرعيةُ القانونية، واحترامَ قواعدِ القانونِ الدولي، فضلاً عنْ إبرازِ الدورِ المحوريِ للدبلوماسيةِ بوصفها أداةً فاعلةً في إدارةِ الأزمات، إقليميا ودوليا. أما على مستوى الرؤيةِ الفكرية، فأؤكدُ على الدوامِ أنَ بناءَ الدولةِ الحديثةِ لا يستقيمُ إلا على أساسٍ راسخٍ منْ القانونِ والمؤسسات، وأنَ تغييبَ الاحتكامِ إلى القواعدِ القانونيةِ يقودُ حتما إلى اختلالِ التوازنِ السياسيِ وتهديدِ السلمِ المجتمعي. كما أدعو، في غيرِ موضع، إلى اعتمادِ الدبلوماسيةِ نهجا أصيلاً لحلِ النزاعات، بدلُ الارتهانِ لمنطقِ القوةِ أوْ التصعيد، انطلاقا منْ قناعةٍ راسخةٍ بأنَ فاعليةَ القانونِ الدوليِ لا تتحققُ إلا بإرادةٍ سياسيةٍ واعيةٍ ومسؤولة. وتتسمَ لغتيْ بالوضوحِ والدقة، معَ ميلٍ إلى التحليلِ العميقِ منْ دونِ إسهابٍ مخل، بما يجعلُ المقالُ موجها إلى القارئِ المتخصص، وإلى المهتمِ بالشأنينِ القانونيِ والسياسيِ على حدٍ سواء. كما أحرصُ على إبرازِ البعدِ الأخلاقيِ في العملِ الدبلوماسي، إيمانا بأنَ الدبلوماسيةَ الناجحةَ لا تنفصلُ عنْ احترامِ القيمِ الإنسانيةِ والالتزاماتِ القانونية. وخلاصةُ القول، تمثلَ هذهِ الكتاباتِ إسهاما نوعيا في حقلِ المقالِ القانونيِ – الدبلوماسي، لما تنطوي عليهِ منْ رؤيةٍ متوازنةٍ تجمعُ بينَ صرامةِ النصِ القانونيِ وواقعيةُ الفعلِ السياسي، وتسهمَ في ترسيخِ الوعيِ بأهميةِ القانونِ بوصفهِ المرجعيةَ الأساسَ في إدارةِ شؤونِ الدولةِ وتنظيمِ العلاقاتِ الدولية.

نعم
هل اعجبك المقال